قرأ نافع المدني وحده: ﴿وَلَا يُحْزِنْكَ﴾ بضم الياء وكسر الزاي من (أحزن يُحزن) رباعياً، وقرأ الباقون (ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف العاشر): ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ بفتح الياء وضم الزاي من (حَزَن يحزُن) ثلاثياً، وهما لغتان فصيحتان نزل بهما القرآن (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥١؛ التيسير، ص٩٢).
أسباب النزول وسياق الأثر:
تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وتطمين له؛ لما كان يلحقه من شدة الأسى والغم لحرص المنافقين واليهود ومشركي مكة على الكفر ومسارعتهم في الكيد للإسلام ومحاولاتهم المستميتة لإطفاء نور الله.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٩٤٨)مصدر غير محدد٥/٩٤٨ عن ابن عباس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان جميع الناس ويحزن إذا كفروا ورأى سرعة نكوصهم، فأنزل الله ينهى نبيه عن الحزن عليهم، وأعلمه أن كفرهم لا يضر دينه ولا ينقص من ملكه شيئاً، بل يضرون أنفسهم بحرمانها من نعيم الآخرة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لا يحزنك
النهي عن الحزن هو نهي عن الاسترسال معه والتأثر به؛ وإلا فالطبع البشري يتألم.
يسارعون في الكفر
المسارعة في الكفر أبلغ من المسارعة إليه؛ أي هم مستقرون في الكفر ويتسابقون في دركاته وخبايا مكره ونصرة أهله بالقول والمال والفعل كالمنافقين واليهود.
لن يضروا الله شيئاً
نفي قاطع لأي أثر لكفرهم على جلال الله ودينه وأوليائه.
الحظ
النصيب الوافر من الخير والنعيم.
وَلَا يَحْزُنكَ
لا ناهية جازمة، يحزنك مضارع مجزوم بالسكون والكاف مفعول به.
جملة تعليلية للنهي، إن واسمها، لن ناصبة، يضروا مضارع منصوب بحذف النون والواو فاعل، لفظ الجلالة مفعول به، شيئاً مفعول مطلق أو مفعول به ثانٍ، والجملة خبر إن.
يريد ماض وفاعله لفظ الجلالة، أن مصدرية ناصبة، لا نافية، يجعل مضارع منصوب والفاعل مستتر، لهم متعلق بيجعل، حظاً مفعول به، في الآخرة نعت لحظاً، والمصدر المؤول مفعول به ليريد.
وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
الواو عاطفة، لهم خبر مقدم، عذاب مبتدأ مؤخر، عظيم نعت له.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مواساة علوية للقيادة النبوية والدعوية؛ فالداعية قد يحترق قلبه أسى عندما يرى ركاب الكفر يتسابقون ويتساقط الناس في حبائل الباطل، فنهاه الله عن هذا الحزن المعطل، وكشف له عن الحكمة الإلهية في خذلانهم: إن الله باستدراجهم وتركهم يسارعون في الكفر إنما يريد قطع نصيبهم وحظهم من رحمة الآخرة بالكلية، ليلاقوا العذاب العظيم العادل الذي يستحقونه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة الجبر في قوله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾:
قد يتعلق بعض أصحاب الشبهات بظاهر الإرادة هنا ليزعم أن الله ظلمهم بمنعهم من الجنة جبراً!
والرد البرهاني الحاسم: أن هذه الإرادة الإلهية إنما هي "إرادة كونية جزائية" ترتبت على اختيارهم وسلوكهم هم؛ فهم الذين سارعوا في الكفر وأصروا عليه وعادوا الحق وبذلوا أموالهم لصده، فجازاهم الله على كفرهم وإعراضهم بأن خذلهم وحرمهم التوفيق وسلبهم الحظ في الآخرة؛ فالجزاء من جنس العمل، والله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون (مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص٩٨؛ درء تعارض العقل والنقل، ج٨، ص١٢٠).
التضمين في ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ بحرف (في) دون (إلى): سر بياني عظيم؛ فلو قال (إلى الكفر) لدل على أنهم كانوا خارجه ثم سارعوا للدخول فيه، أما (في الكفر) فتدل على أنهم منغمسون فيه يتنقلون ويتسابقون في فنونه ومؤامراته.
التنكير في ﴿شَيْئًا﴾: للتقليل والتحقير المطلق؛ أي لا ينقصون من ملك الله ولا من دينه ولا من نصر أوليائه أدنى ذرة.
التنكير في ﴿حَظًّا﴾ في سياق النفي: يفيد الاستغراق التام؛ أي ليس لهم أدنى نصيب ولا مثقال خردلة من نعيم الجنة ولا من رحمة الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير الدعاة من الإحباط واليأس عند رؤية تسابق أهل الباطل وانتفاش الكفر؛ فالإسلام منصور والباطل مدحور.
معرفة حقيقة "الاستدراج الإلهي" للظالمين؛ فتمكينهم في الدنيا ليس حباً لهم، بل هو حرمان لهم من كل نصيب في الآخرة.