أجمع القراء العشرة على إسكان دال ﴿لَقَدْ﴾ وقلقلتها، وفتح ميم ونون مشددة ﴿مَنَّ﴾، وتنوين ﴿رَسُولًا﴾ بالنصب مفعولاً به، وكسر فاء ﴿أَنفُسِهِمْ﴾ من أنفُسهم جمع نفس، وقرئ في الشواذ عن ابن محيصن وفاطمة الزهراء وعائشة رضي الله عنهما: (مِنْ أَنْفَسِهِمْ) بفتح الفاء صيغة تفضيل؛ أي من أشرفهم وأعلاهم نسباً وأعظمهم قدراً (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥٠؛ الدر المصون، ج٣، ص٤٣٨).
أسباب النزول وسياق الأثر:
تذكير للمؤمنين بأعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسانية قاطبة في غمرة ما أصابهم من ألم الهزيمة في أحد؛ ليعلموا أن بقاء أصل هذه النعمة (بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن والحكمة) يهون معه كل مصاب دنيوي عابر.
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (ج٥، ص٨٩٤)مصدر غير محدد٥/٨٩٤ عن الحسن البصري وقتادة قالا: "هذه منّة الله العظمى على هذه الأمة؛ بعث فيهم نبياً عربياً من جنسهم يعرفون لسانه ونسبه وصدقه وأمانته، فأنقذهم به من ظلمات الجاهلية والضلالة والشرك والحروب إلى نور الإيمان والعلم والهدى".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المنّة
النعمة العظيمة المسداة تفضلاً وإحساناً من غير عوض ولا استحقاق سابق، ولا تكون المنّة المحمودة إلا لله وحده.
من أنفسهم
من جنسهم البشري ومن قومهم العرب، ليفقهوا عنه ويخالطوه ويكون قدوة حية لهم.
التزكية
التطهير من رجس الشرك والأخلاق الرذيلة، وتنمية الفضائل ومكارم الأخلاق في النفوس.
الحكمة
السنة النبوية، وفقه الشريعة، ووضع الأمور في مواضعها الصحيحة.
ضلال مبين
تيه وتخبط واضح بين لا خفاء فيه وهو الشرك الجاهلي وعبادة الأصنام.
لَقَدْ
اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
مَنَّ اللَّهُ
فعل ماض وفاعله لفظ الجلالة.
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
متعلقان بـ (منّ).
إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا
إذ ظرف لما مضى متعلق بـ (منّ)، بعث ماض وفاعله مستتر، فيهم متعلق ببعث، رسولاً مفعول به.
مِّنْ أَنفُسِهِمْ
جار ومجرور نعت لـ (رسولاً).
يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
جملة فعلية في محل نصب نعت ثانٍ لرسولاً (أو حال)، آياته مفعول به منصوب بالكسرة والهاء مضاف إليه.
الواو حالية، إن مخففة من الثقيلة مهملة، كانوا ناقص واسمه، من قبل جار ومجرور مبني على الضم في محل جر متعلق بمحذوف حال، اللام هي الفارقة، في ضلال متعلق بمحذوف خبر كان، مبين نعت لضلال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذا التسلية الربانية للقلوب الكسيرة! كان الصحابة بعد أحد يبكون الشهداء ويتألمون من الجراح، فجاءت الآية لتفتح أعينهم على "الأصل الوجودي الأعظم": لقد منّ الله عليكم بنعمة تفوق السماوات والأرض وهي بعثة هذا الرسول الكريم وإخراجكم من ظلمات الجاهلية وعفونة الشرك والجهل إلى نور الهداية والقرآن والتزكية! فما دمتم قد ظفرتم بالإيمان والرسول، فكل ما سواه من مصائب الحرب عوارض تافهة تزول ويبقى الأصل الخالد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
البرهان على أصلية وظائف النبوة الأربع وضرورتها للبشرية:
تؤصل الآية للمهمات الجوهرية للرسالة المحمدية في أربعة أركان متكاملة:
٣. تعليم الكتاب (الفهم المعرفي والعقلي لأحكام القرآن وأصوله).
٤. تعليم الحكمة (السنة النبوية والتطبيق العملي ومقاصد الشريعة وفقه التنزيل).
فالتزكية تسبق العلم أو تقارنه؛ لئلا يتحول العلم إلى سفسطة أو كبر بلا عمل، وتعليم الكتاب والحكمة يمنح البصيرة والرشاد؛ وبذلك اكتمل النموذج الحضاري الفريد للأمة الإسلامية (مفتاح دار السعادة لابن القيم، ج١، ص١٤٥)مفتاح دار السعادةابن القيم١/١٤٥.
التصدير بالقسم والتحقيق ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾: تأكيد على أن النعمة بالرسالة هي أعظم الفضائل الإلهية على الإطلاق التي لا تدانيها نعمة خلق الأبدان ولا رزق الأموال.
التعبير بـ ﴿مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾: تودد وإيناس؛ أي ليس ملكاً من السماء يتعذر الاقتداء به، ولا أجنبياً غريباً يشك في صدقه، بل رجل من صميم جلدتهم وأنسابهم يعرفون صلاحه وطهارته.
المقابلة بين النور الحاضر والظلام الماضي: في قوله: ﴿وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾؛ ليعرفوا قدر النعمة بمقارنتها بما كانوا يتخبطون فيه من وأد البنات والحروب القبلية وعبادة الحجارة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وتوقيره وطاعته؛ فهو أعظم منة وأغلى هدية أهداها الله للبشرية.
اعتماد منهاج النبوة في التربية الدعوية: تلاوة، فتزكية، فتعليم للكتاب والحكمة، والابتعاد عن التعليم الجاف المنفصل عن تزكية القلوب.