وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح واو ﴿وَاتَّقُوا﴾، ونصب راء ﴿النَّارَ﴾ مفعولاً به، وضم همزة وكسر عين ﴿أُعِدَّتْ﴾ مبنياً للمجهول والتاء للتأنيث ونائب الفاعل مستتر يعود على النار، وجر ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ بالياء لأنه جمع مذكر سالم (التيسير للداني، ص٩٠)مصدر غير محدد٩٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
تحذير وترهيب صارم للمؤمنين من مقاربة الربا وذنوب الكفر والتشبه بأهله؛ لئلا يستحقوا عذاب النار التي هيئت وأعدت للكافرين.
قال ابن عباس ومجاهد: "حذر الله المؤمنين النار التي أعدها لأعدائه الكافرين إن هم عصوا أمره وأكلوا الربا واستحلوا ما حرم الله".
وروى عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن أبي حنيفة رحمه الله قال: "هذه الآية أخوف آية في القرآن؛ حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه ويجتنبوا محارمه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
واتقوا النار
اجعلوا بينكم وبين نار جهنم وقاية من العمل الصالح واجتناب الربا والمحرمات.
التي أعدت للكافرين
الإعداد هو التهيئة والتجهيز المسبق؛ والنار مخلوقة ومجهزة وموجودة الآن أعدها الله لعذاب الكافرين به ورسله.
وَاتَّقُوا النَّارَ
الواو عاطفة، اتقوا أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، النار مفعول به منصوب.
الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ
التي اسم موصول مبني في محل نصب نعت للنار، أعدت فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر صلته، وللكافرين متعلقان بأعدت.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وعيد زاجر عقب النهي عن الربا: لما نهاهم عن أكل الربا في الآية السابقة، قرنه فوراً بالتحذير من النار ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾؛ لبيان أن الإصرار على المعاصي وأكل الحرام قد يستدرج العبد ويسلخه من إيمانه حتى يهوي في مهاوي الكفر فيصلى النار المعدة للكافرين، فكان هذا الوعيد أعظم صدمة توقظ القلوب اللاهية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دلالة "أُعدّت" على وجود النار والجنة الآن ودحض شبهة المعتزلة:
زعم المعتزلة أن النار والجنة غير مخلوقتين الآن وأنهما تخلقان يوم القيامة!
المحاكمة العقلية وتأصيل مذهب أهل السنة والجماعة:
نص الآية قطعي في صيغة الماضي: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، وفي آية الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ والإعداد بصيغة الماضي يدل على وجودهما وتحققهما الفعلي الآن، وهو ما تواترت به الأحاديث الصحيحة في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم للجنة والنار في صلاة الكسوف وليلة الإسراء والمعراج.
والتحذير موجه للمؤمنين: إن النار أعدت أصلاً للكافرين، فإن ارتكبتم كبائرهم وأكلتم الربا شاركتموهم في العذاب ودخلتموها معهم، فكان في ذلك أعظم الزجر (شرح العقيدة الطحاوية، ج٢، ص٤٢٠-٤٣٠؛ مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج١٦، ص٣٩٠).
التعبير المزلزل ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ في خطاب المؤمنين؛ لتنبيههم بأسلوب التعريض المخيف: كيف يرضى المؤمن أن يكون مصيره ومقره في المكان المخصص لأعداء الله وأهل الكفر به؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
تذكير المؤمنين بعذاب النار لكسر شوكة الشهوات وتهذيب النفوس الأمارة بالسوء.