أجمع القراء العشرة على كسر لام الجر في ﴿وَلِلَّهِ﴾، وضم ميم ﴿مُلْكُ﴾ مبتدأ مؤخراً، وخفض ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بالإضافة والعطف، ورفع اسم الجلالة ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ، ورفع ﴿قَدِيرٌ﴾ خبراً له (التيسير، ص٩٣)مصدر غير محدد٩٣.
سياق الأثر:
تقرير وتتويج لربوبية الله المطلقة وهيمنته التامة المحيطة بالأكوان، وبطلان كل دعاوى المشركين واليهود والمنافقين؛ فله وحده ملك السماوات والأرض خلقاً وتدبيراً وتصريفاً، وهو القادر على إثابة أوليائه واستئصال أعدائه.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٩٩٦)مصدر غير محدد٥/٩٩٦ عن قتادة قال: "﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي له السلطان التام والخزائن والأمر، فلا يعجزه ظالم ولا يفوت منه هارب، وهو القادر على كل شيء".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الملك
السلطان والاستيلاء والتصرف المطلق بالإيجاد والإعدام والتشريع والجزاء.
على كل شيء قدير
كمال القدرة الإلهية التي لا يعجزها ممكن ولا يمتنع عليها مراد.
وَلِلَّهِ
الواو استئنافية، لله جار ومجرور ومضاف إليه في محل رفع خبر مقدم، وقدم لإفادة الحصر والقصر والاختصاص.
مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
ملك مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة وهو مضاف، السماوات مضاف إليه مجرور بالكسرة، والأرض معطوف عليه.
وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
الواو عاطفة، الله مبتدأ مرفوع، على كل جار ومجرور متعلق بقدير وشيء مضاف إليه، قدير خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني هو الخاتمة الإلهية الكبرى لكل الشبهات والدعاوى السابقة؛ فبعد أن فضح مقالات اليهود: (إن الله فقير ونحن أغنياء)، وخيانتهم للميثاق، وبخل البخلاء، جاءت هذه الآية لتسحق كل غرور وتدك كل كبرياء: (ولله ملك السماوات والأرض)! فمن أين يفتقر مالك السماوات والأرض؟! ومن أين يغنى هؤلاء العبيد المهازيل الذين لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً؟! ثم جاء قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ليقرر كمال القدرة على مجازاة كل عامل بعمله وبعث الموتى وإهلاك الظالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
البرهان العقلي على اختصاص الله بالملك والقدرة المطلقة:
تدل الآية ببديهة العقل الصريح على بطلان الشرك والنديد؛ فالسماوات والأرض وما بينهما مخلوقات حادثة مسبوقة بعدم محتاجة إلى موجد ومدبر قيوم لا يزول. ومفيض الوجود على العالم هو المالك الحقيقي له استحقاقاً وذاتاً، وما يملكه البشر مجرد عواري مستردة وتمليك مجازي مؤقت يزول بالموت؛ فالمفلس الحقيقي هو من عصى مالك الملك، والرابح هو من تولاه (مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص١٥٠)مفاتيح الغيبفخر الدين الرازي٩/١٥٠.