أجمع القراء العشرة على كسر همزة ﴿وَإِنَّ﴾، وكسر لام التوكيد المزحلقة في ﴿لَفَرِيقًا﴾ ونصبها اسماً لإن مؤخراً، وضم ياء وسكون لام وكسر واو ﴿يَلْوُونَ﴾ من لوى يلوي، ونصب ﴿أَلْسِنَتَهُم﴾ مفعولاً به، ونصب باء ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ بأن مضمرة بعد لام التعليل، وحذف النون للجزم أو النصب.
قرأ عاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف ﴿لِتَحْسَبُوهُ﴾ بفتح السين، وقرأ الباقون من العشرة بكسر السين ﴿لِتَحْسِبُوهُ﴾، وهما لغتان فصيحتان في مضارع حَسِبَ يَحْسَبُ ويَحْسِبُ (معاني القراءات للأزهري، ج١، ص٢٤٠)مصدر غير محدد١/٢٤٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
فضيحة جديدة لأساليب التحريف اللفظي والصوتي عند أحبار اليهود بالمدينة؛ حيث كانوا يتلاعبون بنطق الكلمات ويقلبون الحروف ويعطفون نصوص كتبهم على ما يخترعونه من الأكاذيب ليشبهوا على السامعين أنه وحي منزل.
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن مجاهد والشعبي قالا: "نزلت في اليهود الذين غيروا كتاب الله وبدلوه، فكانوا يلوون ألسنتهم بالتحريف ليشبهوا على المسلمين، ويقولون هذا كلام الله الذي أنزله على موسى، وما هو من كلام الله، بل هو مما كتبته أيديهم طلباً للرياسة والدنيا".
وروى البخاري في صحيحه (كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: بل هو قرآن مجيد، رقم: ٧٥٢٧)مصدر غير محددحديث رقم ٧٥٢٧ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم﴾: يحرّفون، يزيلون، وليس أحد يستطيع أن يزيل لفظ كتاب من كتب الله عز وجل ولكنهم يحرّفون: يتأولونه على غير تأويله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يلوون ألسنتهم
الليّ هو العطف والفتل والميل بالشيء، ولَيّ اللسان: تحريفه وتغيير مخارج حروفه وإيهام النغم الصوتي للكتاب الموحي به.
بالكتاب
بما كتبوه هم من التفاسير المحرفة والزيادات الموضوعة، أو يتلون التوراة محرفة بالتقديم والتأخير.
لتحسبوه من الكتاب
الحسبان هو الظن والتوهم؛ أي ليوهموكم أنه من نص الوحي الإلهي المقدس.
وما هو من الكتاب
نفي مؤكد قاطع؛ فهو خارج كلياً عن كتاب الله المبرأ.
ويقولون هو من عند الله
جرأة شنيعة في الكذب بنسبته إلى الذات العلية.
وهم يعلمون
حال تفضح تعمدهم وافتراءهم عن قصد وعلم مسبق.
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا
الواو استئنافية، إن حرف توكيد، منهم خبرها مقدم، اللام المزحلقة، فريقاً اسمها مؤخر منصوب.
يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ
يلوون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، ألسنتهم مفعول به والهاء مضاف إليه، وبالكتاب متعلقان بيلوون، والجملة في محل نصب نعت لفريقاً.
لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ
اللام لام التعليل، تحسبوه مضارع منصوب بأن مضمرة بحذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به أول، ومن الكتاب متعلقان بمحذوف مفعول به ثانٍ لتحسبوه.
وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ
الواو حالية، ما نافية تعمل عمل ليس أو مهملة، هو مبتدأ (أو اسمها)، ومن الكتاب خبرها.
وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ
معطوف على يلوون، هو مبتدأ، ومن عند خبر، والله مضاف إليه، والجملة مقول القول.
معطوف، الكذب مفعول به، وهم يعلمون جملة اسمية في محل نصب حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكثيف تقريعي وفضح ثلاثي متعاقب يكرر النفي إثر الدعوى مباشرة:
١. قالوا كذباً ولبساً بلسانهم ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾، فعاجلهم القرآن بالنفي الصارم: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾.
٢. تجرأوا بالدعوى العريضة ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾، فعاجلهم القرآن بالنفي الثاني: ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾.
٣. ثم سجل عليهم الجريمة الكبرى بتمامها: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وهذا التكرار المتقابل يفضح صناعة التضليل الكنسي والتلمودي تفصيلاً ودعوى دعوى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة طبيعة تحريف أهل الكتاب لكتبهم (هل هو لفظي أم معنوي؟):
أثار بعض العلماء مسألة: هل التحريف في التوراة والإنجيل وقع في الألفاظ أم في التأويل والمعاني؟
المحاكمة العقلية والتوفيق المحقق لأهل السنة:
نص القرآن يثبت وقوع الأمرين معاً:
١. تحريف المعاني بالتأويل الفاسد وحمل النصوص على غير مراد الله: كما أشار ابن عباس في رواية البخاري.
٢. تحريف الألفاظ بالكتابة بالأيدي وإدخال نصوص موضوعة ولَيّ الألسن بها كما في هذه الآية وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩].
فهم مارسوا التزوير اللفظي والتأويلي معاً، فنسخوا نصوصاً، وأسقطوا نصوصاً كصفة النبي صلى الله عليه وسلم، وأدخلوا ما ليس من الوحي في صلب كتبهم، وهو ما يثبته النقد التاريخي المعاصر للأناجيل والعهد القديم بوضوح تام (الجواب الصحيح لابن تيمية، ج٢، ص٨٥-١١٥)مصدر غير محدد٢/٨٥.