أجمع القراء العشرة على تخفيف همزة ﴿فَاحِشَةً﴾ وكسر الحاء، وتسكين واو ﴿أَوْ ظَلَمُوا﴾ ونصب ﴿فَاحِشَةً﴾ مفعولاً به، ورفع ﴿اللَّهُ﴾ في قوله ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ بدلاً من الضمير المستكن في الفعل المستفهم عنه، أو فاعلاً لـ (يغفر) على الاستثناء المفرغ (الدر المصون للسمين الحلبي، ج٣، ص٣٩٠)مصدر غير محدد٣/٣٩٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (ج٥، ص٧٧٥)مصدر غير محدد٥/٧٧٥ عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية فيمن ألمّ بذنب ثم ندم وتاب واستغفر.
وأخرج الإمام أحمد في مسنده (رقم: ٤٧)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧ وأصحاب السنن (أبو داود، رقم: ١٥٢١؛ الترمذي، رقم: ٤٠٦) وصححه ابن حبان والحاكم والنووي، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: حدثني أبو بكر الصديق وصدق أبو بكر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عبد يذنب ذنباً، فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الفاحشة
كل ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال، والمراد بها كبائر الذنوب كالزنا وقتل النفس، وخصها بعضهم بالكبائر ذات الشهوة.
ظلموا أنفسهم
بارتكاب سائر المعاصي وصغائر الذنوب والتقصير في الواجبات.
الإصرار
الإقامة على الذنب والعزم على معاودته وترك التوبة منه؛ مشتق من الصرّ وهو الشد والربط.
وَالَّذِينَ
معطوف على الذين ينفقون، في محل جر نعت أو بدل.
إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً
إذا ظرف زمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، وجملة فعلوا في محل جر بإضافة إذا إليها.
جملة معترضة تدل على التوحيد وسعة الرحمة، من: اسم استفهام مشرب معنى النفي في محل رفع مبتدأ، يغفر: مضارع مرفوع، الذنوب: مفعول به، وإلا: أداة حصر، والله: بدل مرفوع من الضمير في يغفر، أو فاعل لـ يغفر والجملة خبر المبتدأ.
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا
الواو عاطفة أو حالية، لم يصروا: جازم ومضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
جملة اسمية في محل نصب حال من واو الجماعة في (يصروا)؛ أي يعلمون أنهم أذنبوا، ويعلمون أن لهم رباً يغفر الذنب ويعاقب عليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
منتهى الرحمة الربانية والإعجاز النفسي في القرآن؛ حيث لم يشترط الله تعالى في "المتقين" العصمة من الخطأ والزلل؛ فإن البشر مجبولون على الضعف والوقوع في الخطيئة، بل جعل من خصال المتقين الكبرى أنهم إذا ألموا بذنب أو قارفت نفوسهم فاحشة، لم يتمادوا بل أسرعوا بالذكر والاستغفار وخلعوا رداء الإصرار. وهذا التناسب يبعث الأمل في قلوب المجاهدين الذين عصوا أمر الرسول يوم أحد بنزولهم عن الجبل، فبين لهم أن الذنب لا يخرجهم من التقوى إذا استغفروا وأنابوا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة جواز الذنب أو الاتكال على المغفرة مع الإصرار:
قوله سبحانه: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يقطع أطماع المرجئة والبطالين الذين يزعمون أن مجرد التلفظ بالاستغفار باللسان كافٍ مع الإصرار على المعاصي؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار" (جامع البيان للطبري، ج٥، ص٧٨٠)جامع البيانالطبري٥/٧٨٠. فالاستغفار مع الإصرار توبة الكذابين؛ إذ حقيقة التوبة الصحيحة تقتضي الإقلاع والندم والعزم الصادق على عدم العود، فمن أصر وعلم قبح فعله لم يكن من أهل هذه المغفرة الموعودة.
الاستفهام الإنكاري المتضمن معنى النفي والتعظيم: في ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾؛ أي لا أحد يقدر على غفران الذنوب وتجاوز الخطايا ومحو الآثام إلا الحق جل جلاله، وفيه كمال التوحيد وتفريد الجناب الإلهي بالرجاء والخوف وسؤال التوبة.
التعقيب بالفاء: في ﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾؛ يفيد المبادرة الفورية من غير تراخٍ ولا تسويف؛ فالمؤمن ذنبه يقلقه ويقضه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سنية صلاة التوبة ركعتين كما صح في حديث الصديق رضي الله عنه عند اقتراف أي ذنب.
فتح باب الرجاء لكل مذنب وعاصٍ؛ فالقرآن يربي النفس على ألا تيأس من رحمة الله، بل تحول الندم إلى وقود للعمل الصالح والاستغفار الصادق.