أجمع القراء العشرة على فتح دال وهمزة ﴿فَادْرَءُوا﴾ فعل أمر من درأ يدرأ إذا دفع ونحّى بقوة، وضم التاء في ﴿قُتِلُوا﴾ مبنياً للمجهول، وتسكين نون ﴿عَنْ أَنفُسِكُمُ﴾ وإخفائها (التيسير للداني، ص٩٢)مصدر غير محدد٩٢.
أسباب النزول وسياق الأثر:
بيان تخرصات عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه من المنافقين بعد انتهاء معركة أحد ومقتل الشهداء؛ حيث قالوا مشمتين ومتظاهرين بالحكمة والحرص على الأرواح: أرأيتم أصحابكم الذين خرجوا وقُتلوا؟ لو أطاعونا وقعدوا في بيوتهم كما قعدنا لسلموا وما قُتلوا!
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٩١٥)مصدر غير محدد٥/٩١٥ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "نزلت في عبد الله بن أبيّ وأصحابه المنافقين حين شمتوا بشهداء أحد وقالوا: لو أطاعونا ما قتلوا، فألزمهم الله الحجة العقلية الداحضة: قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لإخوانهم
إخوانهم في النسب والعشيرة من قبيلتي الأوس والخزرج (إخوة وطنية ونسبية لا إخوة دين).
وقعدوا
جلسوا وتخلفوا عن الخروج للجهاد في سبيل الله.
فادرءوا
الدرء هو الدفع القوي الشديد للأمر المكروه؛ درأ عنه الشر إذا نحاه بقوة وسرعة.
الَّذِينَ
اسم موصول في محل جر بدل من (الذين نافقوا) أو نعت له (أو في محل رفع مبتدأ وخبره محذوف أو خبر لمبتدأ محذوف).
الواو حالية، قعدوا ماض وفاعله، والجملة في محل نصب حال من واو قالوا؛ أي قالوا ذلك والحال أنهم قعدوا ولم يجاهدوا.
لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا
لو شرطية، أطاعونا ماض واسمه ومفعوله، ما قتلوا جواب لو مبني للمجهول، وجملة الشرط مقول القول.
قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ
قل أمر وفاعله مستتر، الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر، ادرءوا أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، عن أنفسكم متعلق بادرءوا، الموت مفعول به منصوب بالفتحة، والجملة مقول القول.
إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
إن شرطية جازمة، كنتم ناقص واسمه، صادقين خبرها، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله؛ أي إن كنتم صادقين في أن القعود ينجي من الموت فادفعوا الموت عن أنفسكم إذا جاءكم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
محاصرة عقلية ومنطقية ساحقة تدمغ تخرصات المنافقين بحجة يقينية لا مفر منها؛ فالمنافق يزعم أن التدبير البشري والقعود الحذر كفيلان بنجاة الإنسان من الموت: (لو أطاعونا ما قتلوا). فواجههم القرآن بالتحدي الحاسم: إن كان القعود والتحفظ يعصم من الموت، فالمفروض أنكم أيها القاعدون مخلدون في الدنيا لا تموتون أبداً! فإذا جاءكم ملك الموت وأنتم آمنون على فرشكم فادفعوه عن أنفسكم واهربوا منه إن كنتم صادقين! وبذلك تبين تهافت منطقهم وسقوط شبهتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
البرهان العقلي على شمولية الموت ونقض وهم السلامة بالقعود:
تسجل الآية قاعدة المنطق الوجودي: "الموت نهاية حتمية لكل نفس لا يدفعها حذر ولا قعود"؛ فالشهيد والميت على فراشه مستويان في ملاقاة الموت، ولكن شتان بين ميتة الشهيد التي يعقبها الخلود في الفردوس ورضوان الله، وبين ميتة المنافق التي يعقبها الخزي والنار. فالقعود لم يعصم قاعداً قط من الموت، فما فائدة القعود إذن إذا كان يفوّت الشرف ولا يدفع الأجل؟! (مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص٧٥؛ تفسير القرطبي، ج٤، ص٢٤٠).
الجملة الحالية ﴿وَقَعَدُوا﴾: قيد بلاغي يظهر قبح مقالتهم؛ فجمعوا بين الجبن والقعود العملي، وبين التبجح والتفلسف باللسان والشماتة بالمجاهدين.
التحدي التعجيزي بالأمر ﴿فَادْرَءُوا﴾: صيغة أمر تفيد التعجيز التام؛ لأن دفع الموت مستحيل في مقدور البشر وطاقتهم، والتعليق على المستحيل يقطع بدعواهم الباطلة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحصين نفوس أهل الشهداء من وساوس المشككين ولوم المرجفين؛ فالموت أجل محتوم كُتب في الأزل، وشرف الشهادة فضل لا يدركه القاعدون.
الشجاعة والإقدام في سبيل الحق؛ فالحذر لا يمنع الموت، وخوض المهام العظيمة لا يقرب الأجل.