اتفق القراء العشرة على فتح كاف ﴿يَخْلُقُ﴾ وضم قافه، وعلى قراءة ﴿فَيَكُونُ﴾ بالرفع على الاستئناف (فهو يكون) أو خبر لمبتدأ محذوف دلالة على سرعة الامتثال التكويني لأمر الله الأزلي (النشر في القراءات العشر لابن الجزري، دار الكتب العلمية، ج٢، ص٢٤٠)مصدر غير محدد٢/٢٤٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
سياق الآية يصور الموقف النفسي والدهشة الفطرية لمريم البتول العابدة حين تلقت البشارة بولد ذي شأن عظيم، وهي تعلم من نفسها العفة والطهارة والانقطاع في المحراب، فسألت استرشاداً واستبياناً لكيفية تحقق هذا الوعد لا تشكيكاً في قدرة القادر سبحانه.
روي عن ابن عباس ومجاهد: "قالت مريم ذلك استعلاماً عن الوجه الذي يخرج به الولد: أيكون ذلك بزوج يحل لها، أم بخلق مبتكر يبدعه الله بلا واسطة؟ فأخبرها الملك أن الله يخلق ما يشاء بقدرته المطلقة" (تفسير الطبري، ج٥، ص٣٧٥)مصدر غير محدد٥/٣٧٥.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أنى
اسم استفهام بمعنى "كيف" أو "من أين"، واستعمالها هنا لاستغراب الكيفية العادية لولادة البشر.
لم يمسسني بشر
المس هنا كناية قرآنية بالغة العفة عن الجماع والنكاح وما يتعلق به، ونفي المس يفيد انتفاء الزواج والزنا معاً على السواء.
البشر
اسم جنس يطلق على بني آدم ذكوراً وإناثاً، سُموا بذلك لبدوّ بشرتهم وظهورها بخلاف الحيوانات ذوات الصوف والشعر والوبر.
يخلق ما يشاء
الإيجاد والاختراع من العدم على وفق المشيئة والإرادة الحكيمة، وفي سورة آل عمران جاء التعبير بـ ﴿يَخْلُقُ﴾ بينما في قصة زكريا جاء بـ ﴿يَفْعَلُ﴾؛ لأن ولادة يحيى كانت بفعل جرى على سنن التزاوج المعتاد مع إزالة المانع (الشيخوخة والعقم)، أما ولادة عيسى فكانت خلقاً مبتكراً خارقاً لأصل سنة التناسل فاحتاجت لفظ "الخلق" المحض (معجم الفروق اللغوية للعسكري، دار العلم والثقافة، ص٢١٩)مصدر غير محدد٢١٩.
إذا قضى أمراً
القضاء هو الإحكام والإبرام وتمام الإرادة.
كن فيكون
كلمة التكوين، وفعل التكوين أسرع من لمح البصر بلا علاج ولا معاناة ولا زمان يستغرقه الصانع.
قَالَتْ
فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي.
رَبِّ
منادى مضاف حذف منه حرف النداء وياؤه اجتزاءً بالكسرة، وأصله (يا ربي)، والنداء لله تعالى أو لجبريل على جهة التعظيم كقولها (يا سيدي)، والراجح الأول وهو دعاء لله بالاستبانة.
أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ
أنى اسم استفهام في محل نصب على الحال، يكون فعل مضارع تام أو ناقص، ولد فاعله أو اسمه، ولي جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر أو حال.
وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
الواو حالية، لم حرف نفي وجزم وقلب، يمسس فعل مضارع مجزوم وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والنون للوقاية والياء مفعول به، وبشر فاعل، والجملة في محل نصب حال مؤكدة لاستبعاد المجرى العادي.
قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ
قال فعل ماض، والفاعل جبريل، كذلك جار ومجرور في موضع خبر لمبتدأ محذوف، أو نعت لمصدر محذوف أي: يخلق خلقاً كذلك الخلق العجيب، والله مبتدأ، وجملة يخلق خبره.
إذا ظرف لما يُستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، قضى فعل ماض وأمراً مفعول به، الفاء رابطة لجواب الشرط، إنما كافة ومكفوفة تفيد الحصر، يقول فعل مضارع، له جار ومجرور، كن فعل أمر تام وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وهو مقول القول، فيكون الفاء عاطفة أو استئنافية، ويكون فعل مضارع تام فاعله هو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تناسب دقيق ومقارنة جليلة بين قول زكريا ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ وبين قول مريم ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾؛ فزكريا قال ﴿غُلَامٌ﴾ ومريم قالت ﴿وَلَدٌ﴾؛ لأن الغلام يطلق على الذكر حين يقارب البلوغ وهو ما طلبه زكريا ليرث النبوة، أما مريم فتعجبت من جنس "الولد" أياً كان نوعه إذ لا سبب حسياً لحصوله أصلاً. وجاء الجواب لزكريا بـ ﴿يَفْعَلُ﴾ ولها بـ ﴿يَخْلُقُ﴾ لأن مقامها مقام إيجاد لا سبب معه ظاهراً، فكان تخصيص الخلق أليق بخرق العادة التام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة الماديين والملاحدة في إنكار ولادة عيسى من غير أب بشري:
يزعم المنكرون للغيبيات أن ولادة طفل دون نطفة ذكر مستحيلة عقلاً وطبيعياً، ويحاول بعض المستشرقين تأويلها تأويلاً مجازياً فاسداً.
المحاكمة العقلية وتفنيد الشبهة:
١. إن استقراء الطبيعة يثبت وجود التوالد العذري اللاجنسي في كائنات حية شتى، ولكن فوق ذلك فإن القوانين الطبيعية ليست حاكمة على خالقها، بل هي آثار مشيئته وإرادته. فمن أوجد المادة الأولى من العدم بلا مثال سابق، لا يعجز عن إيجاد بشر من أنثى بلا ذكر.
٢. القسمة العقلية الرباعية لخلق البشر تدل على كمال القدرة:
- خلق إنسان بلا ذكر ولا أنثى: وهو آدم عليه السلام.
- خلق إنسان من ذكر بلا أنثى: وهي حواء عليها السلام من ضلع آدم.
- خلق إنسان من أنثى بلا ذكر: وهو عيسى عليه السلام من مريم.
- خلق سائر البشر من ذكر وأنثى: وهو المجرى العام للتناسل.
فلو سقط القسم الثالث لنقصت أطوار كمال القدرة المشهودة في الوجود، فكان وجود عيسى بهذه الكيفية برهاناً عقلياً قاطعاً على طلاقة القدرة الإلهية وعدم خضوعها للنواميس المقيدة للبشر (تفسير الفخر الرازي، دار إحياء التراث العربي، ج٨، ص٦٢)مصدر غير محدد٨/٦٢.
الكناية العفيفة في ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾؛ حيث نزه القرآن ألفاظه عن التصريح بما يستحيا منه، وعبّر بألطف الألفاظ دلالة على منتهى الحياء والطهارة النفسية لمريم عليها السلام.
الإيجاز بالحذف والإيجاز بالقصر في ﴿إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾، وهو أعلى مراتب البلاغة في تصوير نفاذ القدرة المطلقة دون وسائط ولا إبطاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
جواز الاستفهام للاسترشاد وتثبيت اليقين؛ فلم يكن سؤال مريم إنكاراً ولا اعتراضاً، بل كان رغبة في معرفة تدبير الله وحكمته.
ثقة المؤمن بأن موانع العادة وقوانين الأسباب لا تقف حائلاً أمام مشيئة مسبب الأسباب وفارج الكروب.
الوجدان الإيماني:
رسوخ عقيدة التوحيد في القلب؛ فالله هو الخالق وحده، وأمره نافذ وكلمته ماضية، فلا ييأس العبد مهما استحكمت الأزمات وانقطعت الأسباب الأرضية.