وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح واو ﴿تَوَلَّوْا﴾ وتشديد اللام، وتسكين نون ﴿مِنكُم﴾، وكسر تاء ﴿الْتَقَى﴾ وإسكان لام ﴿الْجَمْعَانِ﴾، واستفعل من الزلل ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾ بفتح الهمزة والتاء وتشديد اللام، وإسكان دال ﴿وَلَقَدْ﴾ وقلقلتها (إعراب القرآن للنحاس، ج١، ص٣٩٠)مصدر غير محدد١/٣٩٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزلت فيمن وقع منه الفرار والتولي يوم أحد من المؤمنين؛ حين اشتد الهجوم وأشيع مقتل النبي صلى الله عليه وسلم، فثابوا بعد ذلك وندموا ندماً شديداً.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب غزوة أحد، رقم: ٤٠٦٦)مصدر غير محددحديث رقم ٤٠٦٦ عن عثمان بن موهب قال: جاء رجل حج البيت فرأى قوماً جلوساً، فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر، فقال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني: هل تعلم أن عثمان بن عفان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم، قال: فهل تعلم أنه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: فهل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال الرجل: الله أكبر! فقال ابن عمر: تعال أُبين لك: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله قد عفا عنه وغفر له، فأنزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ... وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾... وأما تغيبه عن بدر فكانت تحته بنت رسول الله رقية وكانت مريضة، فقال له رسول الله: لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه، وأما بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، وبايع رسول الله بيده وقال: هذه عن عثمان، فاذهب بها الآن معك!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تولوا
التولي هو الإدبار والفرار عن الزحف ومبارحة موطن القتال.
يوم التقى الجمعان
جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد.
استزلهم الشيطان
طلب زلتهم وسعى في إيقاعهم في الخطيئة والزلل؛ والزلل في الأصل زلق القدم، واستعير لارتكاب الذنب ومخالفة الطاعة.
ببعض ما كسبوا
بشؤم بعض ذنوبهم السابقة؛ فالذنوب يجر بعضها بعضاً وتورث الخذلان في مواطن الثبات.
عفا الله عنهم
محا ذنب فرارهم وتجاوز عن خطيئتهم بنص قرآني قاطع.
إِنَّ الَّذِينَ
إن حرف مشبه بالفعل، الذين اسم موصول اسمها في محل نصب.
يوم ظرف زمان متعلق بتولوا، التقى ماض، الجمعان فاعل مرفوع بالألف، والجملة في محل جر بالإضافة.
إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ
إنما كافة ومكفوفة تفيد الحصر، استزلهم ماض والهاء مفعول مقدم، الشيطان فاعل مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة في محل رفع خبر إنّ.
بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا
الباء للسببية، ببعض متعلق باستزلهم، ما موصولة، كسبوا صلة الموصول.
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ
الواو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق، عفا ماض مبني على فتح مقدر، الله فاعل، عنهم متعلق بعفا.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ
إن واسمها، غفور خبر أول، حليم خبر ثانٍ؛ لا يعاجل بالعقوبة ويتجاوز عن الزلل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني يعالج خطيئة كبرى من الكبائر وهي "التولي يوم الزحف" بنور الوحي والتربية الربانية؛ فيكشف أولاً عن "القانون الباطني للخذلان": أن الهزيمة الظاهرة في الميدان كانت نتيجة لذنوب وتقصير باطن استغله الشيطان ليزل أقدامهم. ثم يعقب ذلك مباشرة بإعلان "العفو التام المطلق" من رب العالمين المؤكد بلام القسم ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، ليدل على عظمة كرامة أولئك الصحابة عند الله، وأن الله قَبِل توبتهم ومحا أثر كبوتهم إلى الأبد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الطعن في عدالة الصحابة وعثمان بن عفان رضي الله عنه بفرار أحد:
حاول أهل الأهواء والبدع والطعن في الصحابة أن يجعلوا من فرار بعض الصحابة يوم أحد ذريعة للطعن في عدالتهم أو ثلب أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه!
والتحقيق العقلي والشرعي المسقط لشبهتهم: أن الطعن فيمن عفا الله عنه بنص القرآن صراحة هو تكذيب لكتاب الله ورد لأمره الصريح! فالله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، وإذا عفا الله عن عبد بحكم قطعي أزلي سقطت عنه المؤاخذة وحرم على كل مؤمن بعد ذلك أن يعيره بذنبه أو ينقصه حقه. كما أن الصحابة لم يفروا شكاً في النبوة ولا ردة عن الدين، بل فروا دهشة واضطراباً حين انقطع نظام الجيش وصرخ الصارخ بقتل النبي، فلما تبين لهم الأمر عادوا وثبتوا (شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي، ج٧، ص١٢٠٠؛ منهاج السنة النبوية لابن تيمية، ج٦، ص٢٩٥).
صيغة الاستفعال ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾: تدل على طلب الشيطان وسعيه الحثيث لإزلالهم؛ أي تحين الفرصة واستغل ثغرة الذنوب والتقصير ليوقعهم في الهزيمة.
القانون السببي ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾: تنبيه على أن المعاصي شؤم وبلاء، وأن معصية واحدة قد تفتح على العبد أبواب الفشل؛ وفي المقابل، فإن الطاعات حصن وثبات.
الختام بـ ﴿غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: الغفور الذي يستر الذنب ويمحوه، والحليم الذي لا يعاجل بالعقوبة مع كمال قدرته؛ وهو مناسب تماماً لمقام العفو عن الزلة العظيمة يوم الزحف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من الذنوب والمعاصي الخفية؛ فإنها خناجر مسمومة في ظهور المجاهدين والدعاة تخذلهم عند لقاء الأزمات.
سلامة الصدر لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجلالهم، واليقين بأن ما وقع منهم من هفوات قد غمره بحر حسناتهم وجهادهم وعفو الله التام المحيط بهم.