وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على إثبات ألف ﴿بَلَىٰ﴾ والوقف عليها أو وصلها بما بعدها، وفتح فاء ﴿أَوْفَىٰ﴾ مبنياً على فتح مقدر، وكسر هاء ﴿بِعَهْدِهِ﴾، وكسر همزة ﴿فَإِنَّ﴾ رابطة لجواب الشرط (التيسير للداني، ص٨٧)مصدر غير محدد٨٧.
أسباب النزول وسياق الأثر:
رد قاطع وإبطال صريح لقولهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾؛ فـ "بلى" حرف جواب لإبطال النفي السابق وإثبات نقيضه؛ أي: بل عليكم فيهم سبيل وحرج وإثم عظيم إن خنتم، والنجاة إنما هي بالوفاء والتقوى.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: "﴿بَلَىٰ﴾ أي: ليس الأمر كما زعمتم من إسقاط الأمانة، بل من أدى ما عاهد الله عليه وأدى الأمانات إلى أهلها واتقى الله في دماء الناس وأموالهم فإن الله يحبه ويكرمه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بلى
حرف إيجاب يختص بنقض النفي السابق وتقرير ضده.
أوفى بعهده
الوفاء هو إتمام العهد كاملاً بلا نقض ولا غدر، والعهد يشمل عهد الله بالتوحيد وامتثال شرعه، وعهود العباد في الأمانات والمعاملات.
واتقى
اجتنب محارم الله والخيانة وظلم العباد، واتقى سخط الله بطاعته.
يحب المتقين
محبة الله هي أعظم غايات السالكين، وتقتضي الرضوان والإكرام والنصر في الدنيا والجنة في الآخرة.
بَلَىٰ
حرف جواب لإبطال النفي مبني على السكون.
مَنْ
اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ
أوفى فعل ماض مبني على الفتح المقدر في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره هو، بعهده متعلقان بأوفى والهاء مضاف إليه.
وَاتَّقَىٰ
معطوف على أوفى.
فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
الفاء رابطة لجواب الشرط، إن واسمها، وجملة يحب خبرها، والمتقين مفعول به منصوب بالياء، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وجملتا الشرط والجواب خبر المبتدأ (من).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
حسم تشريعي مبهر: بعد أن حكى القرآن مغالطة اليهود في التهرب من الحقوق الأخلاقية، هدم تلك المغالطة بكلمة واحدة ﴿بَلَىٰ﴾، ثم قرر القانون الإلهي العام الذي يربط محبة الله بـ "الوفاء بالعهد" و"التقوى"؛ فالمعيار عند الله ليس هو العرق والنسب، بل الاستقامة على مكارم الأخلاق والوفاء بالعقود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا وضع الظاهر موضع المضمر في قوله "فإن الله يحب المتقين" ولم يقل "يحبه"؟:
المحاكمة العقلية والدلالة البلاغية:
لم يقل سبحانه "فإن الله يحبه" لثلاث حكم جليلة:
١. تعليق الحكم بالوصف المشتق (المتقين) يدل على عليّة الوصف؛ أي أن محبة الله لهم سببها اتصافهم بالتقوى والوفاء.
٢. التعميم والاستغراق؛ ليشمل الحكم كل من اتصف بالتقوى في كل زمان ومكان، فلا يختص بشخص معين.
٣. إشعار بأن الوفاء بالعهود المالية والمعاملات مع الخلق هو من صلب التقوى وجوهرها، وليس أمراً ثانوياً منفصلاً عن الدين (تفسير أبي السعود، ج٢، ص٥٥)مصدر غير محدد٢/٥٥.
الإيجاز بالحذف والرد بحرف ﴿بَلَىٰ﴾ وهو أبلغ أساليب دحض الحجج الباطلة في لغة العرب.
إضافة العهد إلى الضمير ﴿بِعَهْدِهِ﴾ إما إضافة العهد إلى الله (أي بعهد الله الذي عهده إليه)، أو إضافة العهد إلى الإنسان (أي بما عاهد هو عليه غيره)، وكلا المعنيين متلازمان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
ترسيخ قيمة الوفاء بالعهد كمعيار لصحة التدين؛ فلا قيمة لصلاة ولا صيام مع خيانة الأمانات ونقض العهود.
الارتقاء بالتعاملات الأخلاقية لتكون عبادة وقربة ينال بها العبد محبة الله تعالى.
الوجدان الإيماني:
الشوق إلى نيل محبة الله؛ فالمؤمن يسارع إلى حفظ عهوده وأداء أماناته مستحضراً أن ثمرة ذلك حب رب السماوات والأرض له.