وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح همزة ﴿فَأَمَّا﴾ والفاء الزائدة في خبرها ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ وعلى ضم الهمزة والذال المشددة المكسورة، وتنوين ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ بالفتح مفعولاً مطلقاً مؤكداً ومبيناً للنوع، وجر ﴿نَّاصِرِينَ﴾ بالياء الزائدة بعد "من" الاستغراقية لتوكيد النفي القاطع لأي ناصر (إعراب القرآن للنحاس، ج١، ص٣٥٥)مصدر غير محدد١/٣٥٥.
أسباب النزول وسياق الأثر:
جاءت الآية تفصيلاً للحكم الإلهي الصادر في حق المختلفين؛ فبدأ ببيان مصير الكافرين الذين كذبوا عيسى وتآمروا عليه وحرفوا التوحيد، وما نزل بهم من العذاب الدنيوي (كالذل والمسكنة والشتات وتسليط الأمم عليهم) والعذاب الأخروي الأليم في جهنم.
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا﴾ قال: "بالقتل وسبي الذراري وضرب الجزية والذل والجزاء المهين، وفي الآخرة بالنار وما لهم من ناصر ينقذهم من بأس الله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فأما
حرف تفصيل وشرط وتوكيد، يقتضي فاءً رابطة لجوابه.
عذاباً شديداً
العذاب هو الألم الشديد المستمر المنغص للحياة، والشديد هو القوي البالغ أقصى درجات المشقة والألم.
في الدنيا والآخرة
استيعاب للزمانين؛ فعذاب الدنيا بما يصيبهم من القوارع والحروب والهوان والشتات وضيق الصدور، وعذاب الآخرة بالخلود في نار جهنم.
وما لهم من ناصرين
"من" لاستغراق الجنس، والناصر هو من يدفع عن غيره السوء ويجلب له النصر، ونفي الناصرين بالجمع يفيد انقطاع كافة الحيل والوساطات والشفعاء.
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
الفاء استئنافية تفريعية، أما حرف شرط وتفصيل، الذين اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ، وجملة كفروا صلة الموصول.
فَأُعَذِّبُهُمْ
الفاء واقعة في جواب أما، أعذبهم فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا، والهاء ضمير متصل مفعول به أول.
عَذَابًا شَدِيدًا
عذاباً مفعول مطلق منصوب، وشديداً نعت منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
متعلقان بأعذبهم.
وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ
الواو حالية أو عاطفة، ما نافية تعمل عمل ليس أو مهملة، ولهم جار ومجرور خبر مقدم، من حرف جر زائد لاستغراق النفي وتوكيده، ناصرين مبتدأ مؤخر (أو اسم ما) مجرور لفظاً مرفوع محلاً وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما قال سبحانه في الآية السابقة: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾، فصّل هنا هذا الحكم الإلهي تفصيلاً تصنيفياً عادلاً؛ فبدأ بالفريق الكافر الماكر المعاند، مظهراً شدة بأسه وعدله فيهم، ثم أتبعه في الآية اللاحقة بفريق الإيمان والعمل الصالح على طريقة القرآن المعهودة في ترغيب القلوب وترهيبها وتثبيت معالم الجزاء الأوفى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: أين عذاب الكافرين في الدنيا وهم نراهم في كثير من الأزمنة أصحاب قوة وثروة وظهور دنيوي؟:
المحاكمة العقلية وتفنيد الإشكال:
١. العذاب الدنيوي ليس مقصوراً على الفقر والمرض العضوي؛ بل عذاب القلق النفسي، والخواء الروحي، والضنك الداخلي، والخوف من الموت والفناء، والحروب المدمرة التي يوقدونها فيذوقون ويلاتها هو من أشد ألوان العذاب ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥].
٢. تاريخياً: حل باليهود الذين تآمروا على عيسى وكذبوه بعد رفعه بعقود قليلة اجتياح تيطس الروماني لأورشليم وتخريب الهيكل وهلاك مئات الآلاف وتشريدهم في الآفاق أذلاء أتباعاً محكومين.
٣. الاستدراج والإملاء سنة إلهية؛ فالإمهال ليس إهمالاً، وإذا أخذ الله الظالم لم يفلته، وما يفوت في الدنيا ينتظرهم كاملاً مضاعفاً في الآخرة (زاد المسير لابن الجوزي، ج١، ص٣٩٢)مصدر غير محدد١/٣٩٢.