أجمع القراء العشرة على إدغام تاء ﴿وَقَالَت طَّائِفَةٌ﴾ في الطاء، وكسر تاء ﴿آمِنُوا﴾ و﴿وَاكْفُرُوا﴾ بصيغة الأمر الموجه من كبارهم لأتباعهم، ونصب ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ و﴿آخِرَهُ﴾ على الظرفية الزمانية (معاني القراءات للأزهري، ج١، ص٢٣٥)مصدر غير محدد١/٢٣٥.
أسباب النزول وسياق الأثر:
كشفت هذه الآية حيلة استخباراتية ونفسية ماكرة حاكها أحبار يهود خيبر وقريظة؛ لإحداث بلبلة وتشكيك في صفوف المسلمين وضعاف الإيمان.
أخرج ابن جرير وابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا: "تواطأ اثنا عشر حبراً من يهود خيبر، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار وصلوا معهم الصبح، فإذا جاء آخر النهار فاخرجوا من دينه وارجعوا إلى دينكم وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس هو النبي الموعود وإنا وجدنا في دينه عيوباً؛ فإن الناس إذا رأوكم وأنتم أهل كتاب وعلم قد رجعتم بعد أن دخلتم، قالوا: هؤلاء أعلم بالكتب منا ولو كان دينه حقاً لما تركوه، فيشك المسلمون ويرجعون عن دينهم! فأنزل الله كاشفاً مكرهم وفاضحاً سريرتهم: ﴿وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
طائفة
جماعة من أحبارهم وخبثائهم المتآمرين.
وجه النهار
أوله ومبتدأه، وسُمي وجهاً لأنه أول ما يواجه الإنسان ويظهر منه كنور الصباح.
واكفروا آخره
اخرجوا منه عند المساء واعلنوا ردتكم وبطلان هذا الدين في زعمكم.
لعلهم يرجعون
أي لعل المسلمين يتشككون في دينهم فيرجعون عن إسلامهم اقتداءً بكم وتصديقاً لخبرتكم.
آمنوا فعل أمر وفاعله وهو مقول القول، بالذي متعلقان بآمنوا، أنزل ماض مبني لما لم يسم فاعله ونائب الفاعل مستتر صلته، وعلى الذين متعلقان بأنزل، وآمنوا صلته.
وَجْهَ النَّهَارِ
ظرف زمان منصوب متعلق بآمنوا، والنهار مضاف إليه.
وَاكْفُرُوا آخِرَهُ
معطوف على آمنوا، وآخره ظرف زمان منصوب والهاء مضاف إليه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعجاز غيبي كاشف: فضح القرآن مؤامرة دارت في الغرف المغلقة بين زعماء اليهود لم يسمع بها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، فأنزل الله تفاصيل خطتهم وساعاتها الزمنية ﴿وَجْهَ النَّهَارِ... وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ قبل أن تنطلي حيلتهم على أحد؛ فكانت هذه الآية وحدها معجزة باهرة قلبت كيدهم عليهم وحصنت المجتمع الإسلامي ضد هذه الحرب النفسية المنظمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة استخدام "الحرب النفسية والتشكيك المنهجي" من أعداء الإسلام:
تدل الآية على أن أعداء الحق لا يتورعون عن استخدام أسافل الحيل وأكاذيب التمثيل المصطنع لخلخلة ثقة المؤمنين بدينهم.
المحاكمة العقلية والتحليل الأمني والفكري:
هذه الحيلة تسمى في المصطلح المعاصر "عمليات التسلل والتفكيك والحرب النفسية من الداخل"؛ فالعدو حين يعجز عن المواجهة العسكرية يلجأ إلى التظاهر بالانتماء المؤقت ثم الانسحاب المصحوب بالتشكيك والطعن، لإيهام العامة بوجود عيوب بنيوية مستورة. لكن الرقابة الإلهية كشفت اللعبة في مهدها، مما جعل المسلمين يسخرون من هؤلاء المتلونين ويزدادون ثباتاً ويقيناً (تفسير ابن كثير، ج٢، ص٦٠؛ إعلام الموقعين لابن القيم، ج٣، ص٣٩٠).