وكسر همزة ﴿أَكَفَرْتُم﴾ استفهاماً تقريعياً بحذف حرف القول تقديره (فيقال لهم: أكفرتم).
أسباب النزول وسياق الأثر:
مشهد القيامة الفاصل وتمايز أهل الحق والاتباع عن أهل البدع والفرقة:
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٦٤٠)مصدر غير محدد٥/٦٤٠ وابن أبي حاتم واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (رقم: ٧٤)مصدر غير محددحديث رقم ٧٤ والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قال: "تبيض وجوه أهل السنة والجماعة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة والاختلاف".
وروى أحمد (رقم: ٢١١٨٩)مصدر غير محددحديث رقم ٢١١٨٩ والترمذي وحسنه (رقم: ٣٠٠٠)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٠٠ عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه في تفسير هذه الآية في شأن الخوارج: "كلاب أهل النار، شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى من قتلوه، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ...﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تبيض وجوه
البياض هنا نور الإيمان والفرح والسرور والكرامة والرضوان الذي يفيض على وجوه أهل السنة والطاعة.
تسود وجوه
السواد هنا ظلمة الكفر والبدعة والخزي والحسرة والندامة التي تغشى وجوه أهل التفرق والضلال.
أكفرتم بعد إيمانكم
استفهام تقريع وتوبيخ للمرتدين والمبتدعة وأهل الكتاب الذين شهدوا بالحق ثم كفروا به.
تبيض مضارع مرفوع، وجوه فاعل مرفوع بالضمة، والجملة في محل جر بالإضافة ليوم.
وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ
معطوف على تبيض وجوه.
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ
الفاء تفريعية، أما أداة شرط وتفصيل، الذين مبتدأ، اسودت وجوههم فعل وفاعل والجملة صلة الموصول.
أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ
الهمزة للتوبيخ والتقريع، كفرتم فعل وفاعل، بعد ظرف زمان وإيمانكم مضاف إليه، وجملة أكفرتم مقول لقول محذوف تقديره (فيقال لهم: أكفرتم)، والقول المحذوف مع جوابه خبر المبتدأ (الذين).
فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
الفاء فصيحة، ذوقوا أمر وفاعله، العذاب مفعول به، الباء سببية، وما مصدرية، وجملة كنتم تكفرون صلتها، والمصدر المؤول مجرور بالباء متعلق بذوقوا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تجسيد أخروي حاسم لثمرة الائتلاف وثمرة الافتراق: لما حذر من التفرق والاختلاف في الآية السابقة، صور هنا المصير النهائي للفرقة في ساحات القيامة؛ حيث تنكشف السرائر وتتحول المعاني الباطنة إلى صور حسية مشهودة على الوجوه؛ فوجه صاحب السنة والائتلاف يشرق بنور البياض الساطع، ووجه صاحب البدعة والفرقة يكسوه السواد الكالح والخزي المهين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: من هم المعنيون بقوله "أكفرتم بعد إيمانكم"؟:
المحاكمة العقلية وتوجيه أئمة التفسير:
شمل الخطاب طوائف متعددة دلت عليها نصوص الشريعة:
١. أهل الردة الصريحة الذين كفروا بعد إسلامهم.
٢. أهل الكتاب الذين كانوا يؤمنون بنبوة محمد قبل مبعثه، فلما بعث كفروا به حسداً وبغياً.
٣. أهل البدع المغلظة كالخوارج الذين كفروا المسلمين واستحلوا دماءهم، ونبتت بدعتهم من داخل صفوف المسلمين كما فسرها أبو أمامة وابن عباس.
٤. كل من نقض ميثاق الفطرة الأول وكفر بربه في الدنيا (تفسير الطبري، ج٥، ص٦٤٥؛ الشريعة للآجري، دار الوطن، ص١١٥).