وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على إدغام تاء ﴿هَمَّت طَّائِفَتَانِ﴾ في الطاء، ورفع طائفتان فاعلاً بالألف لأنه مثنى، وفتح تاء وشين ﴿تَفْشَلَا﴾ مضارع منصوب بأن بحذف النون والألف فاعل، ورفع ﴿وَلِيُّهُمَا﴾ خبراً للفظ الجلالة، وجزم لام الأمر في ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ وحركت اللام بالسكون أو الكسر، وكسر لام الفعل لالتقاء الساكنين (التيسير للداني، ص٩٠)مصدر غير محدد٩٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزلت في بني سلمة (من الخزرج) وبني حارثة (من الأوس)؛ وهما جناحا جيش المسلمين يوم أحد؛ حين رجع المنافق عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش (ثلاثمائة مقاتل) خذلاناً للمسلمين، فوسوس الشيطان للحيين بالرجوع والانسحاب خوفاً من كثرة المشركين (وكان المشركون ثلاثة آلاف والمسلمون سبعمائة بعد انسحاب المنافقين)، فعصمهم الله وثبتهم فلم يرجعوا ومضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا، رقم: ٤٠٥١)مصدر غير محددحديث رقم ٤٠٥١ ومسلم (كتاب فضائل الصحابة، رقم: ٢٥٠٥)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٠٥ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "فينا نزلت: ﴿إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ بنو سلمة وبنو حارثة، وما أحبُّ أنها لم تنزل! لقول الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
همت
الهمّ هو حديث النفس والميل الباطن ومبدأ القصد والعزم دون أن يتحول إلى فعل حقيقي.
طائفتان منكم
بنو سلمة وبنو حارثة، والتعبير بـ ﴿مِنكُمْ﴾ إثبات لأصل إيمانهم وإخلاصهم وإن وقع منهم الضعف البشري العارض.
أن تفشلا
الفشل هو الجبن والضعف والخور والجبن عن القتال والتردد في المضي مع الجيش.
والله وليهما
ناصرهما وحافظهما وعاصمهما من الوقوع في المعصية والرجوع، وتثبيت لأفئدتهما.
وعلى الله فليتوكل المؤمنون
تفويض الأمر والاعتماد الكلي على قدرة الله وحفظه، لا على الكثرة العددية والعتاد.
إِذْ
ظرف لما مضى متعلق بتبوئ (أو بسميع عليم، أو بدل من إذ الأولى).
لفتة تربوية بالغة اللطف والرحمة: سجل القرآن ضعف النفوس البشرية والخواطر العارضة التي مرت بهاتين القبيلتين الكريمتين، ولكنه لم يسق ذلك في معرض التوبيخ والإدانة، بل ساقه في معرض الامتنان والكرامة؛ فعقب عليه فوراً بجملة الحال الشريفة ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾؛ ليعلم الصحابة أن مجرد الهاجس النفسي الذي لا يستقر ولا يتبعه عمل معفو عنه، وأن ولاية الله لأهل الإيمان تعصمهم من الزلل عند اشتداد الأزمات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة الفرح بنزول العتاب في قول جابر: "ما أحب أنها لم تنزل":
كيف يفرح الصحابي بنزول آية تذكر همّ قبيلته بالفشل والجبن؟
المحاكمة العقلية والتأمل الإيماني الرفيع:
فقه الصحابة العميق لمعاني القرآن: فرح جابر رضي الله عنه لم يكن بالهم بالفشل، بل بالشهادة الإلهية العظمى الصادرة من فوق سبع سماوات بأن الله هو وليهما وناصرهما: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾؛ وهذه شهادة ربانية قطعية بصدق إيمانهما وثبوت ولاية الله لهما، وهي أعظم وسام شرف يمكن أن يظفر به مؤمن في الوجود، فكان ذكر العارض دليلاً على عظمة التثبيت الإلهي (فتح الباري لابن حجر، ج٧، ص٣٥٠؛ تفسير ابن كثير، ج٢، ص١٠٥).