أجمع القراء العشرة على فتح ياء وغين وراء مشددة مفتوحة ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم بلا الناهية، ورفع باء ﴿تَقَلُّبُ﴾ فاعلاً لـ يغرنك، وكسر دال ﴿فِي الْبِلَادِ﴾ (التيسير، ص٩٤)مصدر غير محدد٩٤.
أسباب النزول وسياق الأثر:
تطمين وتحذير للمسلمين الذين كانوا يعانون من الفقر والشدة والجراح في المدينة، بينما يرون كفار قريش واليهود يتقلبون في التجارات والأسفار والأموال ورغد العيش، فيقع في بعض النفوس شيء من ذلك.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص١٠٢٥)مصدر غير محدد٥/١٠٢٥ وابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة قالا: "نزلت في مشركي مكة؛ كان المسلمون يرونهم في رخاء وتجارات ونعيم، فقالوا: إن أعداء الله في رخاء وتجارة ونحن في جهد وجوع وحرب! فأنزل الله تثبيتاً لهم: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لا يغرنك
الغرور هو الخداع بالأباطيل والمظاهر الزائفة؛ أي لا تنخدع بما ترى من عزهم وثرواتهم.
التقلب في البلاد
التصرف والتنقل بالأسفار والتجارات وجباية الأموال والتمتع بالرياسات في مختلف الأقطار.
لَا
ناهية جازمة.
يَغُرَّنَّكَ
مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم بلا الناهية، والكاف مفعول به مقدم.
تَقَلُّبُ
فاعل مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مصدر مضاف.
الَّذِينَ كَفَرُوا
الذين اسم موصول مضاف إليه، كفروا صلة الموصول.
فِي الْبِلَادِ
متعلق بـ تقلب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
علاج نفسي وقائي حاسم لمنطق "المقارنات المادية الزائفة"؛ فلما بين في الآية السابقة ثواب المهاجرين والمجاهدين وأن عاقبتهم الجنات، التفت هنا إلى الواقع الدنيوي المشاهد: قد يرى المؤمن الكافر يتمتع بالقوة الاقتصادية والنفوذ العالمي والسياحة والتقلب في البلاد، فينهى القرآن عن الانخداع بهذا المشهد العارض المضلل، موضحاً حقيقته وحجمه الزمني الحقيقي في الآية التي تليها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
المحاكمة العقلية لمظاهر القوة والثراء عند الكفار:
تفكك الآية أسطورة "التفوق المادي كدليل على الحق أو الرضوان الإلهي"؛ فكثير من ضعاف العقول يظنون أن امتلاك الكفار للتكنولوجيا المادية أو الثروات الضخمة وتجارتهم العالمية دليل على نجاح منهجهم أو محبة الله لهم! والقرآن يحكم بالعقل المجرد: هذه المظاهر مجرد تقلبات دنيوية عابرة لا تدل على قيمة ذاتية ولا على عاقبة حميدة، بل هي وسيلة استدراج قصيرة تنتهي بهلاكهم؛ فلا يجوز لعاقل أن يقيس الحق والباطل بموازين الثراء العارض (مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص١٦٥؛ مجموع فتاوى ابن تيمية، ج١٤، ص٢٨٠).
النهي المؤكد بنون التوكيد الثقيلة ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾: وإن كان الخطاب ظاهره للنبي صلى الله عليه وسلم المعصوم من الغرور، فالمراد به أمته وأتباعه؛ وهو من باب: إياكِ أعني واسمعي يا جارة.
التعبير بـ (التقلب): لفظ يجسد عدم الاستقرار والزوال السريع؛ فالتقلب لا ثبات له، وهو حركة قلقة تعقبها السكنة المحتومة في القبر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عدم الانبهار بالحضارات المادية والقوى الاستكبارية الكافرة وبهرجها الزائل؛ فالقيمة الحقيقية هي بالإيمان والاستقامة.
ثبات المؤمن على مبدئه واعتزازه بدينه ولو عاش في ضيق مادي وقلة من الدنيا.