وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على كسر همزة ﴿وَإِنَّ﴾، ونصب (مَن) في ﴿لَمَن يُؤْمِنُ﴾ اسماً لـ إنّ واللام المزحلقة للتوكيد، ونصب ﴿خَاشِعِينَ﴾ حالاً من ضمير (يؤمن) بالياء مراعاة لمعنى (مَن) الجمعي، وإسكان عين ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وضمها بحسب الوصل أو الوقف (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥٧؛ التيسير، ص٩٤).
أسباب النزول وسياق الأثر:
إنصاف قرآني معجز لأهل الصدق والإنصاف من أهل الكتاب الذين أسلموا وآمنوا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام والنجاشي ملك الحبشة.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة بالمصلى، رقم: ١٣١٧)مصدر غير محددحديث رقم ١٣١٧ ومسلم (كتاب الجنائز، رقم: ٩٥١)مصدر غير محددحديث رقم ٩٥١ عن جابر بن عبد الله وأبي هريرة رضي الله عنهم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى للناس أصحمة النجاشي ملك الحبشة في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات، وصلى عليه صلاة الغائب. فقال بعض المنافقين أو اليهود: يصلي على علج نصراني حبشي مات بأرضه ليس على ديننا؟! فأنزل الله تبارك وتعالى رداً عليهم وتكريماً للنجاشي ومن أسلم من أهل الكتاب: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ...﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
من أهل الكتاب
اليهود والنصارى.
وما أنزل إليكم
القرآن الكريم المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
وما أنزل إليهم
التوراة والإنجيل الصحيحان المنزّلان على موسى وعيسى عليهما السلام.
خاشعين لله
خاضعين متذللين خاضعة قلوبهم وجوارحهم لهيبة الله.
لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً
بخلاف أحبارهم الذين كتموا وبدلوا لأجل المال والرشا؛ فهؤلاء ثبتوا على الحق ولم يبيعوا دينهم.
وَإِنَّ
الواو استئنافية، إن حرف توكيد ونصب.
مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
جار ومجرور ومضاف إليه في محل رفع خبر إن مقدم.
لَمَن
اللام المزحلقة، من اسم موصول مبني في محل نصب اسم إن مؤخر.
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
مضارع مرفوع والفاعل مستتر يعود على من، بالله متعلق بيؤمن، والجملة صلة الموصول.
وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ
معطوفان على لفظ الجلالة.
خَاشِعِينَ لِلَّهِ
خاشعين حال منصوبة بالياء من فاعل يؤمن مراعاة لمعنى من، لله متعلق بخاشعين.
لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا
لا نافية، يشترون مضارع مرفوع بثبوت النون، بآيات متعلق بيشترون، ثمناً مفعول به، قليلاً نعت، والجملة في محل نصب حال ثانية.
أُولَٰئِكَ
اسم إشارة مبتدأ.
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ
لهم خبر مقدم، أجرهم مبتدأ مؤخر، عند متعلق بمحذوف حال من أجرهم، وربهم مضاف إليه، والجملة الاسمية خبر أولئك.
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
جملة تذييلية مؤكدة بالسرعة والعدالة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قمة العدالة والإنصاف القرآني والموضوعية الإلهية المطلقة؛ فالقرآن حين يذم أهل الكتاب لكفرهم وتحريفهم وبخلهم لا يعمم الحكم تعميماً جائراً، بل يستثني دائماً أهل الحق والفضل والإنصاف منهم، مبيناً أن فيهم قوماً صادقين جمعوا بين الإيمان بكتابهم والإيمان بالقرآن ورسول الله صلى الله عليه وسلم، واتصفوا بالخشوع ونزاهة الذمة؛ ولذا أكرمهم الله بأجرين وثبت عدالتهم في اللوح المحفوظ.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة بطلان إسلام من لم يهاجر كالنجاشي ومسألة الصلاة عليه:
زعم المنافقون أن النجاشي لم يكن مسلماً كاملاً لكونه لم يهاجر ومات في أرض النصارى!
والتحقيق الفقهي والشرعي: أن النجاشي آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدقه وعجز عن الهجرة لكونه ملكاً يحمي المسلمين ويحكم بالعدل، وتعذرت عليه بعض شرائع الإسلام لعدم وصولها إليه أو لعدم استطاعته إظهارها، فكان معذوراً بعجزه مأجوراً بإيمانه الصادق وخشوعه، ولذلك صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب تكريماً له وشهادة بإيمانه، ونزل القرآن مصدقاً لفضله (مجموع فتاوى ابن تيمية، ج١٩، ص٢١٨؛ فتح الباري لابن حجر، ج٧، ص١٥٨).
الجمع بين الكتب المنزلة: ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾؛ لبيان كمال إيمانهم؛ فهم لا يفرقون بين أحد من رسله ولا يجحدون كتاباً أنزله الله.
التنكير في (ثمناً قليلاً): تحقيراً لمتاع الدنيا وإبرازاً لتنزه هؤلاء الصادقين عن أطماع أحبار السوء.
التذييل بـ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: لطمأنتهم بقرب نيل أجورهم وموفور كرامتهم دون تأخير.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الالتزام بقيمة "العدل والإنصاف" مع المخالفين؛ فلا يجوز تعميم الذم، بل يُشهد لأهل الفضل بفضلهم.
عظم أجر مؤمني أهل الكتاب الذين يتبعون النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلهم أجرهم مرتين كما ثبت في الصحيحين.