وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على نصب ﴿خَالِدِينَ﴾ على الحال من الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وضم ياء ﴿يُخَفَّفُ﴾ مبنياً للمجهول، ورفع ﴿الْعَذَابُ﴾ نائباً للفاعل، وضم ياء ﴿يُنظَرُونَ﴾ مبنياً للمجهول مرفوعاً بثبوت النون (التيسير للداني، ص٨٧)مصدر غير محدد٨٧.
أسباب النزول وسياق الأثر:
امتداد وتفصيل للوعيد في حق المصرين على الكفر والردة؛ ببيان أبدية عذابهم، وعدم تخفيفه ولو للحظة، وعدم إمهالهم أو إنظارهم لتدارك ما فات.
روي عن ابن عباس وقتادة: "﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي في اللعنة أو في النار التي توجبها اللعنة، ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ ساعة واحدة، ﴿وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي لا يؤخرون ولا يمهلون لمعذرة ولا توبة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
خالدين فيها
الخلود هو المكث الدائم المؤبد الذي لا انقطاع له ولا نهاية، والضمير في "فيها" يعود إما على اللعنة أو على جهنم التي استلزمتها اللعنة.
لا يخفف عنهم العذاب
لا ينقص من شدته ولا يفتر عنهم ولا يهدأ ألمه.
ولا هم ينظرون
الإنظار هو التأخير والإمهال؛ أي لا يؤخر عنهم العذاب ساعة ولا يمهلون لتقديم عذر.
خَالِدِينَ فِيهَا
خالدين حال منصوبة بالياء من الضمير المجرور في "عليهم"، وفيها متعلقان بخالدين.
لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ
لا نافية، يخفف مضارع مبني لما لم يسم فاعله، عنهم متعلقان بيخفف، العذاب نائب فاعل مرفوع بالضمة، والجملة في محل نصب حال ثانية من خالدين (أو مستأنفة).
وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ
الواو عاطفة، لا نافية، هم مبتدأ، ينظرون مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل، والجملة خبر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام ثلاثي يغلق كل منافذ الأمل والتخفيف في الآخرة:
١. التأبيد الزمني المطلق: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.
٢. استمرار الشدة بلا فترات راحة: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾.
٣. انقطاع المهلة وسقوط الأعذار: ﴿وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾.
وهذا النظم يلغي أي رجاء كان يتعلق به المشركون في الشفاعة أو الفداء أو الخروج المؤقت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة خلود الكافر في العذاب الأبدي مقابل عمره الدنيوي القصير:
كيف يتناسب العذاب الأبدي الذي لا ينقطع مع معصية وقعت في سنوات معدودة في الدنيا؟
المحاكمة العقلية والتحقيق العقدي السلفي:
١. الجزاء في ميزان الله لا يقاس بالزمن المستغرق في ارتكاب الجريمة، بل بجسامة الجريمة نفسها ونيّة صاحبها؛ فالقاتل يرتكب جريمته في دقيقة واحدة ويحكم عليه بالسجن المؤبد أو الإعدام باتفاق قوانين العقلاء.
٢. نية الكافر وعزمه الباطن: الكافر المعاند مات وعزمه ونيته لو خُلد في الدنيا ألوف السنين أن يبقى مصراً على كفره وعناده كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]؛ فعومل بنيته الدائمة المستمرة بالخلود الدائم.
٣. كفران النعمة العظمى: الجريمة هنا هي الشرك برب العالمين والجحود لنعمه اللامتناهية وتكذيب رسله المعصومين بعد وضوح البينات، وهي أعظم المظالم على الإطلاق (مدارج السالكين لابن القيم، ج١، ص١٤٠-١٥٠؛ الجواب الصحيح، ج٣، ص٣١٠).