أجمع القراء العشرة على نصب ﴿فَرِحِينَ﴾ حالاً من الواو في (يرزقون)، وتسكين نون ﴿مِّن فَضْلِهِ﴾، وفتح باء وكسر شين ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾، وتخفيف نون ﴿أَلَّا﴾ في قراءة الجمهور أو تشديدها؛ وهي أن المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف؛ أي بأنه لا خوف عليهم، ونصب أو رفع ﴿خَوْفٌ﴾ بحسب عمل لا (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥٠؛ الدر المصون، ج٣، ص٤٤٨).
سياق الأثر:
تصوير المشاعر الوجدانية العلوية للشهداء في جوار ربهم؛ فهم يجمعون بين كمال الفرح بما نالوه من النعيم والرضوان الذاتي، وبين الاستبشار بإخوانهم المجاهدين الذين تركوهم خلفهم في الدنيا وسيلحقون بهم شهداء، فرحين بأنهم سينالون مثل هذا النعيم والأمان التام.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٩٢٢)مصدر غير محدد٥/٩٢٢ عن قتادة ومجاهد والسدي قالوا: "الشهداء لما دخلوا الجنة وأكرمهم الله بذلك النعيم، قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب؟ فقال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ...﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فرحين
الفرح انشراح الصدر ونعيم القلب والسرور الغامر بالظفر بالمحبوب الأسمى.
من فضله
الفضل هو الإحسان الزائد والعطاء الرباني العظيم الذي لا يدخل تحت حصر.
يستبشرون
الاستبشار هو الفرح والسرور بالبشرى، والسين والتاء للمبالغة في الفرح والابتهاج.
من خلفهم
الذين بقوا بعدهم في الدنيا يجاهدون في سبيل الله وسيلحقون بهم.
ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون
نفي الخوف فيما يستقبلونه من أهوال القيامة، ونفي الحزن على ما فاتهم من دنياهم.
فَرِحِينَ
حال منصوبة بالياء من واو الجماعة في (يرزقون).
بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ
بما جار ومجرور متعلقان بفرحين، آتاهم ماض والكاف مفعول أول، الله فاعل، والمصدر المؤول أو جملة آتاهم صلة ما.
مِن فَضْلِهِ
متعلق بمحذوف حال من المفعول الثاني المقدر؛ أي آتاهموه من فضله.
وَيَسْتَبْشِرُونَ
الواو عاطفة، يستبشرون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة معطوفة على الحال فرحين (حال ثانية).
بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم
بالذين متعلق بيستبشرون، لم يلحقوا مضارع مجزوم بلم والواو فاعل، بهم متعلق بيلحقوا، والجملة صلة الموصول.
مِّنْ خَلْفِهِمْ
جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من الواو في يلحقوا.
أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
أن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، لا نافية تعمل عمل ليس أو مهملة، خوف مبتدأ أو اسمها، عليهم خبرها، ولا هم يحزنون معطوف عليها، والمصدر المؤول في محل جر بدل من (الذين) أو بحذف حرف الجر؛ أي بأن لا خوف عليهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع هذه الرابطة الروحية الأبدية التي ينسجها القرآن بين "المجاهدين في الميدان" و"الشهداء في مقعد صدق"! فالشهداء لم ينقطعوا عن أمتهم وإخوانهم، بل يتابعون مسيرتهم ويستبشرون بقدومهم، ويفرحون بما أعد الله لإخوانهم المجاهدين من الأمان المطلق والنجاة من كل خوف وحزن. وهذا الربط يحول الموت في سبيل الله من شبح مفزع وفراق موحش إلى "لقاء مرتقب وفرحة جماعية كبرى" في أعالي الجنان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة توهم الأنانية أو الانقطاع الروحي للشهيد بعد الموت:
قد يظن البعض أن الشهيد باستغراقه في النعيم ينسى إخوانه وقضيته؛ فجاء هذا النص ليرسخ المعنى السامي للأخوة الإيمانية التي لا تبلى بالموت؛ فالشهداء في قمة نعيمهم يحملون هم إخوانهم الذين تركوهم خلفهم في ثغور الجهاد، ويستبشرون ويفرحون بنجاتهم ولحوقهم بهم. وهذا برهان على أن رابطة الإيمان رابطة أبدية تعبر حواجز الزمان والمكان وعالمي الشهادة والغيب (تفسير الرازي، ج٩، ص٨٣؛ مدارج السالكين، ج٣، ص١٨٠).
الجمع بين الفرح والاستبشار: الفرح بما نالوه في أنفسهم (نعيم ذاتي)، والاستبشار بما سيناله إخوانهم (نعيم متعدٍّ وإيثار روحي)، وهو غاية كمال النفوس الزكية.
التنكير في (فضل): ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ لإفادة العظمة المطلقة؛ فإذا كان الفضل منسوباً إلى الرب الكريم المنان، فما ظنك بسعته وجلاله؟
نفي الخوف والحزن معاً: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ نفي الخوف (وهو توجس الشر في المستقبل)، ونفي الحزن (وهو ألم النفس على فوات شيء في الماضي)، فإذا انتفيا تم الأمن المطلق والسرور الخالد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار الصلة الحية بين قافلة الشهداء السالفين وبين المجاهدين السائرين على دربهم اليوم؛ فالشهداء ينتظرون إخوانهم ويستبشرون بهم.
التحرر التام من الخوف على الرزق أو الخوف من المستقبل؛ فمن باع نفسه لله كفاه الله كل خوف وأمنه من كل حزن.