أخرج البخاري في «صحيحه» كتاب أحاديث الأنبياء (الرقم: 3431)مصدر غير محددحديث رقم ٣٤٣١ ومسلم في «صحيحه» كتاب الفضائل (الرقم: 2366)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣٦٦ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا»، ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
وروى ابن جرير (6/344)مصدر غير محدد٦/٣٤٤ وابن أبي حاتم (الرقم: 3093)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٩٣ عن ابن عباس قال: «كانت نذرت أن تجعله في الكنيسة يخدمها، وكانوا لا يفعلون ذلك إلا بالذكور، فلما وضعتها أنثى اغتمت لذلك واعتذرت إلى ربها فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾: قرأ ابن عامر وشعبة عن عاصم ويعقوب بضم التاء: ﴿بِمَا وَضَعْتُ﴾ على أنها من كلام امرأة عمران اعترافاً واعتذاراً، وقرأ الجمهور بإسكان التاء المفتوحة لتأنيث الفعل: ﴿بِمَا وَضَعَتْ﴾ على أنها جملة معترضة إخبارية من كلام الله تعالى تعظيماً وتفخيماً لشأن هذه المولودة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى:
على قراءة الجمهور (جملة من كلام الله): المعنى: ليس الذكر الذي طلبتِ ورجوتِ لخدمة بيت المقدس كالأنثى التي وهبناها لك؛ فإن هذه الأنثى سينالها من الاصطفاء والشرف والمولد المعجز لولدها ما لم ينله أي ذكر في العالمين.
وعلى قراءة ضم التاء (من كلامها): المعنى: اعتذار منها؛ أي ليس الأنثى كالذكر في القوة والخدمة والصلاحية لملازمة المعبد والكهان.
مَرْيَمَ: مريم في لسانهم العبراني والسرياني تعني: «العابدة، أو خادمة الرب، أو النقية الطاهرة».
أُعِيذُهَا بِكَ: العَوْذ هو اللجوء والاستجارة والتحصن؛ أي حصنتها بحمايتك ورعايتك من نزغات الشيطان وإغوائه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التحول العظيم من الظن البشري إلى التقدير الإلهي الخارق:
ظنت امرأة عمران أن النذر تعطل بولادة الأنثى، فجاء التقدير الإلهي العلي ليعلم البشرية جمعاء أن تدبير الله للعبد خير من تدبيره لنفسه؛ فهذه الأنثى (مريم) اصطفاها الله وطهرها وفضلها على نساء العالمين، وجعل منها وبابنها آية للخلائق إلى قيام الساعة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تفضيل الذكر على الأنثى مطلقاً:
احتج بعض السطحيين بقوله ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ لتنقيص المرأة مطلقاً.
المحاكمة البلاغية والشرعية: لام التعريف في «الذكر» و«الأنثى» هنا للعهد لا للجنس العام؛ فالمراد: ليس الذكر المعهود المرجو كالأنثى الموهوبة المخصوصة؛ فمريم عليها السلام خير وأشرف من ملايين الرجال في إيمانها وقنوتها واصطفائها، والشرع ينظر إلى كمال التقوى والعمل لا إلى مجرد الذكورة والأنوثة.
جملة اعتراضية تهدم حزن الأم وتبدله فخراً وابتهاجاً؛ فالله يعلم سر هذه المولودة وعظمة شأنها وما يدخره لها من كرامة لم تخطر ببال أمها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحصين الأبناء بالدعاء والاستعاذة الصادقة:
سنة نبوية عظيمة مستفادة من امرأة عمران: تعويذ المولود بالله من الشيطان الرجيم فور ولادته، والدعاء له ولذريته بالصلاح والعصمة؛ فإن دعاء الوالد لولده مستجاب.