وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح ياء وهاء وكسر دال ﴿يَهْدِي﴾ مضارع هدى يهدي، وفتح راء ﴿كَفَرُوا﴾ وواوها، وفتح شين وكسر هاء ﴿وَشَهِدُوا﴾، وكسر همزة ﴿أَنَّ﴾ أو فتحها، والقراءة المتواترة بفتح الهمزة المشددة ﴿أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ في موضع نصب مفعول به لشهدوا، وضم تاء ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ فاعلاً لجاء (التيسير للداني، ص٨٧)مصدر غير محدد٨٧.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزلت في رجل من الأنصار كان قد أسلم ثم ارتد ولحق بأهل الشرك (قيل هو الحارث بن سويد بن الصامت)، ثم ندم على ما صنع وأراد التوبة وسأل هل له من توبة؟ فأنزل الله هذه الآيات حتى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا...﴾.
أخرج النسائي في سننه الكبرى (كتاب التفسير، رقم: ١١٠٥٥)مصدر غير محددحديث رقم ١١٠٥٥ والحاكم في المستدرك (ج٢، ص٢٩٥)مصدر غير محدد٢/٢٩٥ وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن رجلاً من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم تندم، فأرسل إلى قومه: سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة؟ فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ...﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، فرد إليه قومه، فأسلم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
كيف يهدي الله
استفهام استبعاد وإنكار؛ أي لا يتأتى ولا يليق في حكمة الله وسننه الكونية أن يوفق للهداية قوماً بلغوا هذا الحد من العناد والتنكر للحق.
كفروا بعد إيمانهم
الردة والنكوص بعد تذوق حلاوة الإيمان ومعرفة براهينه.
وشهدوا أن الرسول حق
إقرارهم الصريح ومعاينتهم لمعجزات النبي وصدقه في البلاغ.
وجاءهم البينات
الحجج القاطعة والآيات المعجزة التي لا تبقي عذراً لمعتذر.
والله لا يهدي القوم الظالمين
قاعدة وسنة إلهية جارية؛ فمن استحب العمى على الهدى وظلم نفسه بالكبر عاقبه الله بحرمانه من التوفيق.
كَيْفَ
اسم استفهام مبني في محل نصب حال من فاعل يهدي أو مفعول مطلق.
يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا
يهدي مضارع مرفوع بضمة مقدرة، الله فاعل، قوماً مفعول به منصوب.
كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ
كفروا فعل وفاعل صلة الموصول أو نعت لقوماً، بعد ظرف زمان متعلق بكفروا، وإيمانهم مضاف إليه.
وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ
معطوف على كفروا، أن واسمها وخبرها والمصدر المؤول مفعول به لشهدوا.
وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ
الواو حالية، جاءهم فعل ومفعول به، البينات فاعل مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة في محل نصب حال.
وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
الواو استئنافية تذييلية، الله مبتدأ، لا نافية، يهدي مضارع، القوم مفعول به، الظالمين نعت مجرور أو منصوب بالياء، والجملة خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
استقصاء لجريمة المرتدين والمعاندين: بينت الآية أن كفر هؤلاء ليس ناتجاً عن جهل، بل اجتمعت فيه أربع جنايات كبرى:
١. الارتداد بعد الإيمان: ﴿كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾.
٢. الشهادة الصريحة بالحق: ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾.
٣. قيام المعجزات الساطعة: ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.
٤. ممارسة الظلم والبغي: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
فمن عاند الحق بعد كل هذه البصائر فقد استحق الخذلان وسلب التوفيق عقاباً له على ظلمه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: هل يمتنع الله عن هداية الكافر التائب إذا رجع؟:
قد يفهم البعض من قوله ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ...﴾ أن باب الهداية مغلق كلياً أمام المرتد!
المحاكمة العقلية والتوفيق بين الآيات:
الاستبعاد والامتناع المذكور في الآية هو في حق من بقي على عناده وردته مصراً على ظلمه؛ فما دام العبد مصراً على رد الحق ومعاندة البينات، فإن سنن الله تقضي بحرمانه من هداية التوفيق والتسديد؛ جزاءً وفاقاً لردته.
أما إذا أناب العبد وكسر كبرياءه وتاب وأصلح، فإن الله يتوب عليه؛ ولهذا جاء الاستثناء الفوري بعد آيتين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وهو ما يؤكد تكامل نصوص الوحي وعدم تناقضها (تفسير الطبري، ج٥، ص٥٦٠؛ شرح العقيدة الطحاوية، ج١، ص٢٤٥).