قرأ ابن عامر وهشام وابن ذكوان: ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ بإعادة باء الجر في الكلمتين (وبالزبر، وبالكتاب). وقرأ الباقون (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف العاشر): ﴿وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ بحذف الباء وعطفهما على (البينات) بالكسر (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥٤؛ التيسير، ص٩٣).
وأجمع القراء على ضم كاف وكسر ذال مشددة ﴿كُذِّبَ﴾ مبنياً للمجهول، وكسر تاء ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ جمع مؤنث سالم مجرور بالكسرة.
سياق الأثر:
تسلية ربانية وتطمين لقلب المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لئلا يضيق صدره بتكذيب اليهود والمشركين وعنادهم بعد ظهور الحجج والبراهين؛ ببيان أن سنة التكذيب سنة قديمة جرت على جميع إخوانه من الرسل الكرام.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٩٨٢)مصدر غير محدد٥/٩٨٢ عن قتادة قال: "يعزي الله نبيه صلى الله عليه وسلم، يقول: إن كذبك هؤلاء القوم فقد كذبت الأمم الخالية رسلها الذين جاءوهم بالحجج الواضحة والكتب المضيئة، فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
البينات
المعجزات الظاهرة الساطعة والدلائل القاطعة التي تؤيد صدق الرسل.
الزبر
جمع زَبور، وهو الكتاب المزبور المكتوب المليء بالمواعظ والرقائق والحكم؛ كزبور داود عليه السلام؛ مأخوذ من زبرت الكتاب إذا أتقنت كتابته ونقشه.
الكتاب المنير
الكتاب الجامع للأحكام والشرائع والحلال والحرام الواضح النور الذي يهدي إلى الحق وينير العقول كالتوراة والإنجيل والقرآن.
فَإِن كَذَّبُوكَ
الفاء استئنافية للتسلية، إن حرف شرط جازم، كذبوك ماض في محل جزم فعل الشرط والواو فاعل والكاف مفعول به.
فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ
الفاء رابطة لجواب الشرط، قد حرف تحقيق، كذب ماض مبني للمجهول، رسل نائب فاعل مرفوع بالضمة، والجملة في محل جزم جواب الشرط (أو الجواب محذوف تقديره فاصبر، وهذه الجملة دليله وتعليله).
مِّن قَبْلِكَ
جار ومجرور نعت لـ (رسل).
جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ
جاؤوا ماض وفاعله، بالبينات متعلق بجاؤوا، والجملة في محل رفع نعت ثانٍ لـ رسل (أو حال).
وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ
معطوفان على البينات مجروران بالكسرة (أو بالباء المكررة على قراءة ابن عامر)، المنير نعت للكتاب مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما ألطف هذا العزاء الإلهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولدعاة الحق في كل عصر؛ فبعد أن أقام الحجة على عناد يهود وكذبهم واقتراحهم للمعجزات، قال لرسوله: لا يضيقن صدرك بتكذيبهم لك، فإن تكذيبهم ليس لنقص في حجتك ولا لغموض في صدقك، بل هي سجيتهم الموروثة مع كل الرسل الذين سبقوك، والذين جاءوا بأعظم المعجزات وأنزل الكتب المنيرة، ومع ذلك كُذبوا ونيل منهم! فالتكذيب سنة ماضية، والعاقبة للصابرين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة توقف قبول الدعوة على نوع المعجزة المقترحة:
تبطل هذه الآية زعم المعاندين الذين يدعون أنهم لو رأوا معجزة معينة لآمنوا؛ فالآية تقرر أن الرسل السابقين جمعوا لأقوامهم بين ثلاثة أدلة عظمى:
ومع هذا الجمع العظيم كذبهم الكفار! فثبت عقلياً أن العناد مرض باطني لا تشفيه رؤية الخوارق، وأن هداية القلوب متوقفة على قصد الحق لا على كثرة المقترحات (تفسير الرازي، ج٩، ص١٣٠)مصدر غير محدد٩/١٣٠.
التنكير للتعظيم في ﴿رُسُلٌ﴾: أي رسل عظام أولو عزم وقوة في البلاغ والحجة، كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام.
التدرج المعرفي في وسائل الهداية: من البينات (الدلائل الإعجازية المبدئية)، إلى الزبر (تزكية القلوب بالمواعظ)، ثم الكتاب المنير (المنهاج التشريعي الكامل).
وصف الكتاب بـ (المنير): استعارة تصريحية؛ شبه شريعة الله بالنور الساطع الذي يبدد ظلمات الحيرة والجهل والشكوك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصبر والاحتساب عند مواجهة التكذيب والإعراض؛ فالمصلحون والدعاة سائرون على طريق الأنبياء، ولن يكونوا أكرم على الله من أنبيائه الذين كُذبوا وأوذوا.
التسلية بسير الماضين وتاريخ الصالحين؛ فذلك أعظم مثبت للقلوب في زمن الغربة والفتن.