أجمع القراء العشرة على تنوين ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ بالرفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره (ذلك متاع)، وضم هاء ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ مبتدأ، ورفع ﴿جَهَنَّمُ﴾ خبراً غير منون، وكسر ميم ﴿الْمِهَادُ﴾ فاعلاً لـ بئس (التيسير للداني، ص٩٤)مصدر غير محدد٩٤.
سياق الأثر:
كشف حقيقة ذلك التقلب والنعيم الدنيوي للكفار؛ بأنه لذة قصيرة الأمد سرعان ما تنقضي، ليعقبها الخلود الدائم في جحيم جهنم وبئس الفراش والمستقر.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص١٠٢٨)مصدر غير محدد٥/١٠٢٨ عن ابن عباس قال: "﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ يعني في الدنيا يمتعون به، ثم مصيرهم إلى نار جهنم، وبئس ما مهدوا لأنفسهم بكفرهم".
وأخرج مسلم في صحيحه (كتاب صفة القيامة والجنة والنار، رقم: ٢٨٠٧)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٠٧ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيُصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب! ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيُصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
متاع قليل
منفعة دنيوية حقيرة سريعة الزوال مهما كثرت وعظمت؛ لأن كل ما هو آتٍ قريب، وما ينتهي بالفناء فهو قليل.
المأوى
المقر والمرجع والمستقر الذي يأوون إليه بعد الموت.
بئس المهاد
المهاد هو الفراش والبساط الذي يوطأ للنائم ليرتاح عليه؛ وسميت جهنم مهاداً على سبيل التهكم؛ لأنها فراشهم وغطاؤهم من النار: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾.
مَتَاعٌ
خبر لمبتدأ محذوف تقديره (تقلبهم ذلك متاع) مرفوع بالضمة.
قَلِيلٌ
نعت لمتاع مرفوع بالضمة.
ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ
ثم حرف عطف وتراخٍ، مأواهم مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الألف والهاء مضاف إليه، جهنم خبر المبتدأ مرفوع بالضمة غير منون.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
معادلة حسابية قرآنية تصغر الدنيا في العيون؛ ففي الآية السابقة نهى عن الاغترار بتقلب الكفار، وهنا بيّن القيمة الرياضية المجردة لهذا التقلب: (متاع قليل)! ثم ربطه بحرف التراخي (ثم) ليدل على البعد الهائل بين متعة أيام معدودة في الدنيا، وبين أبدية جهنم والمأوى المخزي؛ فلو متّع الكافر ألف عام ثم أدخل النار لكان نصيبه شقاءً مطلقاً لا قيمة للمتاع معه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
المحاكمة العقلية لنسبة "المتناهي إلى غير المتناهي":
تحاكم الآية الفكر المادي محاكمة قطعية: كل مدة زمنية مهما طالت في الدنيا (سواء كانت سنين أو قروناً) فهي "متناهية ومحدودة"، ونعيمها مشوب بالآلام والأمراض والنقص؛ فإذا قورن المتناهي بالأبد الأخروي "غير المتناهي"، كانت النسبة الرياضية والعقلية للمتناهي صفراً حقيقياً! فمن باع الأبد الباقي بلحظة فانية فهو أسفه العقلاء (مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص١٦٨)مفاتيح الغيبفخر الدين الرازي٩/١٦٨.
الحذف البلاغي للإيجاز: حذف المبتدأ في ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾؛ لإبراز صفة القلة والحقارة وجعلها الصفة الحاضرة في الذهن.
التهكم والتهويل في الاستعارة ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: استعارة المهاد (الفراش اللين الوثير) لنار جهنم وسلاسلها وأغلالها؛ على سبيل التهكم بهم ومقابلة استعلائهم وتنعّمهم في فرش الدنيا بمهاد الجحيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
احتقار الدنيا وملذاتها إذا قادت إلى معصية الله؛ فغمسة واحدة في جهنم تنسي كل لذائذ الدنيا.
الصبر على خشونة العيش وضيق الحال في سبيل الله؛ فإنما هي أيام قلائل يعقبها النعيم المقيم.