قرأ العشرة ﴿وَيُكَلِّمُ﴾ برفع الميم معطوفاً على ﴿يُبَشِّرُكِ﴾، أو على إضمار مبتدأ تقديره (وهو يكلم الناس)، أو نصباً بإضمار (أن) في بعض التوجيهات الإعرابية البعيدة، والقراءة المجمع عليها هي الرفع على الاستئناف أو العطف على جملة البشارة، توضيحاً لخصائصه المعجزة (تفسير القرطبي، دار الكتب المصرية، ج٤، ص٨٩)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٤/٨٩.
﴿وَكَهْلًا﴾ بالفتح حال منصوبة معطوفة على الحال المقدرة في قوله ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ لأن الجار والمجرور في موضع الحال أي: يكلمهم صبياً رضيعاً في المهد ويكلمهم كهلاً.
أسباب النزول وسياق الأثر:
جاءت الآية تأكيداً لإعجاز عيسى عليه السلام الخارق للعادة وإثباتاً لبراءته وبراءة أمه من أول لحظة نطق فيها، وتبشيراً لمريم بأنه سيعيش حتى يبلغ سن الكهولة فيبلغ رسالة ربه، رداً على مخاوفها من أن يُقتل صبياً أو يزهق أمره قبل أداء الرسالة.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: واذكر في الكتاب مريم، رقم: ٣٤٣٦)مصدر غير محددحديث رقم ٣٤٣٦ ومسلم في صحيحه (كتاب البر والصلة، رقم: ٢٥٥٠)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٥٠ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وصبي آخر...".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المهد
الفراش والموضع الذي يُهيأ للرضيع لينام فيه ويُهدأ، وسُمي مهداً لتمهيده وتوطئته.
الكهل
في كلام العرب هو من جاوز سن الشباب وخطه الشيب ولم يصل إلى حد الشيخوخة، وهو ما بين ثلاث وثلاثين سنة إلى خمسين سنة تقريباً، وعيسى عليه السلام رُفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة على المشهور، وسيكلم الناس كهلاً بعد نزوله في آخر الزمان حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً (زاد المسير لابن الجوزي، المكتب الإسلامي، ج١، ص٣٨٥)مصدر غير محدد١/٣٨٥.
الصالحين
جمع صالح، وهو المستوفي لحقوق الله تعالى وحقوق عباده، القائم بما كُلف به على وجه السداد والكمال.
وَيُكَلِّمُ
الواو عاطفة، يكلم فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على عيسى.
النَّاسَ
مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
فِي الْمَهْدِ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، والتقدير: كائناً في المهد.
وَكَهْلًا
الواو عاطفة، كهلاً حال منصوبة معطوفة على موضع الجار والمجرور.
وَمِنَ الصَّالِحِينَ
معطوف على موضع كهلاً أو مستأنفة للإخبار برفعته في مراتب الأنبياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقابل النظمي العجيب بين حالين: حال الطفولة والرضاع حيث يعجز البشر عادة عن الإبانة والنطق، وحال الكهولة حيث يكتمل العقل وتستحكم الحكمة. والجمع بينهما في سياق البشارة دلالة على أن كلامه في الحالتين ليس مجرد أصوات وتراكيب عادية، بل هو كلام نبوة وهداية وحجة بالغة؛ فكلامه في المهد لتبرئة أمه وتقرير عبوديته، وكلامه كهلاً لتبليغ التوراة والإنجيل ورد أهل الضلال إلى التوحيد الخالص.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: ما وجه الإعجاز في قوله "وكهلاً" مع أن كل إنسان يكلم الناس إذا بلغ الكهولة؟:
الجواب المحكم:
١. إن البشارة بمخاطبته الناس كهلاً تتضمن معجزة غيبية لمريم عليها السلام مفادها أن هذا الطفل لن يبتلعه الهلاك ولا كيد بني إسرائيل في مهده، بل سيمد الله في أجله حتى يبلغ سن الكهولة التامة ويؤدي رسالته كاملة.
٢. كلامه في المهد كان بلسان النبوة والبيان المعجز بلا تعلم ولا تجربة، وكلامه في الكهولة بالوحي والحكمة التامة، فكانت الحالتان متكاملتين في خرق العوائد.
٣. قال جمع من أئمة التفسير ومنهم ابن عطية وابن كثير: في هذا دلالة نبوية على نزول عيسى عليه السلام إلى الأرض في آخر الزمان، لأن رفعه إلى السماء كان وهو في أوائل الكهولة (ابن ثلاث وثلاثين سنة)، فينزل ويكلم الناس كهلاً متبعاً لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فيتم المعنى القرآني بأجلى صوره (تفسير ابن كثير، ج٢، ص٤٤)تفسير القرآن العظيمابن كثير٢/٤٤.
الجمع بين المتقابلين (المهد / الكهولة) لإحاطة الزمان كله بحالة الهداية والنفع للعباد.
التذييل بقوله ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ احتراس بلاغي وتأكيد لعصمته ودوام صلاحه في كل أطوار حياته، من طفولته إلى كهولته وبعد نزوله، فلا يعتريه ما يعتري البشر من التقلب والزلل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
أن الداعية الصادق ينطق بالحق ويدعو إلى ربه في كل أطوار عمره؛ فالعمر كله وعاء لطاعة الله ونشر كلمته.
عظمة الصلاح؛ حيث قرن الله صلاح عيسى بالنبوة والوجاهة، ليدل على أن مرتبة الصلاح هي أشرف ما يرقى إليه العبد في مقام العبودية.
الوجدان الإيماني:
طمأنينة القلب لقدرة الله ولطفه، فحين تكالبت التهم على مريم أجرى الله نطق رضيعها دفاعاً عنها، فمن توكل على الله كفاه ونصر براءته بألطف الأسباب.