أجمع القراء العشرة على كسر أو ضم ميم ﴿مِتُّمْ﴾ كما تقدم في الآية السابقة، وضم تاء وشين ﴿تُحْشَرُونَ﴾ مبنياً للمجهول، وتقديم الجار والمجرور ﴿لَإِلَى اللَّهِ﴾ على الفعل يفيد الحصر والاختصاص (حجة القراءات لابن خالويه، ص١١٤)مصدر غير محدد١١٤.
سياق الأثر:
تأكيد الحقيقة الكبرى: أن المرجع والمآل والمنتهى لجميع الخلائق هو الله تعالى؛ فلا نجاة لمفرط ولا فوات لظالم، بل الكل صائرون إلى محكمة العدل الإلهي للحساب والجزاء.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٨٧٠)مصدر غير محدد٥/٨٧٠ عن مجاهد قال: "أي إلى الله مصيركم ومرجعكم، فيجزي كل نفس بما عملت، ويوفي الشهداء أجورهم، ويعاقب من تخلف عن طاعته".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تحشرون
الحشر هو الجمع والسوق بقهر وقدرة إلى موضع الحساب والجزاء يوم القيامة؛ مأخوذ من حشر الجيش إذا جمعه وساقه.
وَلَئِن
الواو عاطفة، اللام موطئة للقسم، إن حرف شرط جازم.
مِّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ
فعل الشرط ومعطوفه في محل جزم.
لَإِلَى اللَّهِ
اللام واقعة في جواب القسم المحذوف، إلى الله جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ (تحشرون)، وقدم الجار والمجرور لإفادة الحصر والاختصاص والتعظيم.
تُحْشَرُونَ
فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب وسدت مسد جواب الشرط.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تناسب دقيق في التقديم والتأخير بين الآيتين؛ في الآية السابقة (١٥٧) قدم القتل على الموت: ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِتُّمْ﴾؛ لأن السياق كان في بيان فضل الجهاد والترغيب في الشهادة وعظم أجر القتل في سبيل الله فناسب تقديم الأشرف. أما في هذه الآية (١٥٨) فقدم الموت على القتل: ﴿وَلَئِن مِّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾؛ لأن السياق هنا في تقرير الحقيقة الكونية العامة لجميع البشر وهي صيرورتهم وحشرهم إلى الله، والموت بالمرض والسن أكثر وقوعاً وأعم من القتل، فناسب تقديم الأصل العام وهو الموت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
البرهان العقلي على حتمية البعث والجزاء:
توقظ الآية العقول إلى أن انقضاء الحياة الدنيوية بالموت أو القتل ليس فناءً عدماً مطلقاً كما يزعم الدهريون، بل هو انتقال محتوم إلى المحشر؛ فإذا كان الجميع محشورين إلى الله لا محالة، فالعقل الصريح يحكم بأن أسعد الناس يوم الحشر هو من قَدِم على ربه شهيداً مكرماً مغفوراً له، وأن أتعسهم من قَدِم عليه متخلفاً آثماً هارباً من طاعته (تفسير القرطبي، ج٤، ص٢٢٨)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٤/٢٢٨.
أسلوب القصر والتقديم والتأخير: في ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ تقديم المعمول يفيد الحصر والاهتمام؛ أي: إلى الله وحده ذي العزة والجلال تحشرون لا إلى غيره، فلا يملك أحد لكم ضراً ولا نفعاً، وفيه إرهاب لأعداء الله وتبشير لأوليائه بأنه سبحانه هو الذي يتولى حسابهم برحمته.
الجملة القسمية المؤكدة: لقطع كل ريب، وتثبيت اليقين باليوم الآخر في قلوب المؤمنين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار مشهد الحشر والوقوف بين يدي الله؛ وهو الرادع الأعظم عن التخاذل وعن المعاصي، والمحفز الأكبر للتضحية بالنفس والنفيس في سبيل الله.
التحرر من رهبة الطواغيت؛ فالطغاة والجبابرة وجنودهم جميعاً صائرون إلى الحشر محكومون بسلطان الله القاهر.