أجمع القراء العشرة على فتح واو وما ﴿وَمَا﴾ موصولة أو شرطية، وكسر تاء ﴿الْتَقَى﴾، وتسكين لام ﴿فَبِإِذْنِ﴾، وكسر لام التعليل ونصب ميم ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ بأن مضمرة، ورفع ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ على المفعولية بالياء لـ (يعلم) (التيسير، ص٩٢)مصدر غير محدد٩٢.
سياق الأثر:
تأكيد عقدي بأن أحداث معركة أحد بما فيها من القتل والجراح والشهداء لم تكن فلتة خارجة عن مشيئة الله تعالى التكوينية وقدره، بل وقعت بقضائه وإذنه وحكمته، ولغايات تربوية وتمييزية عليا لصفوة المؤمنين.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٩٠٤)مصدر غير محدد٥/٩٠٤ عن قتادة قال: "﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي بقضاء الله وقدره وإرادته، ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ليتميز الصادق في إيمانه الثابت في الشدة من المنافق المرتاب".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بإذن الله
بقضائه وقدره وإرادته الكونية التخليقية وتمكينه؛ فالإذن هنا إذن كوني قدري لا إذن شرعي؛ إذ الله لا يأمر بالمعصية ولكن يقدر وقوعها بحكمته.
ليعلم المؤمنين
ليعلمهم علماً واقعاً مشاهداً في عالم الحس يترتب عليه الثواب والجزاء وتنكشف به حقائق القلوب.
وَمَا
الواو استئنافية، ما اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ (أو شرطية).
يوم ظرف متعلق بأصابكم، التقى الجمعان فعل وفاعل ومضاف إليه.
فَبِإِذْنِ اللَّهِ
الفاء زائدة في خبر المبتدأ لتضمن الموصول معنى الشرط، بإذن الله جار ومجرور ومضاف إليه في محل رفع خبر المبتدأ (ما).
وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ
الواو عاطفة على علة مقدرة؛ أي: وقع ذلك بإذن الله ليكون كذا وليعلم المؤمنين، اللام للتعليل، يعلم مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر تقديره هو، المؤمنين مفعول به منصوب بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية لتربط الأسباب الأرضية (المذكورة في الآية السابقة: قل هو من عند أنفسكم) بالمشيئة الإلهية والقدر الأزلي؛ لئلا يغرق العقل في الأسباب المادية فينسى حكمة مسبب الأسباب، ولئلا يتسرب الشك إلى القلوب بأن ما حدث وقع غلبةً لله أو خروجاً عن سيطرته! فبين أن كل ضربة سيف وكل قطرة دم أريقت يوم أحد كانت بإذن الله وتقديره، ولم تكن عبثاً، بل كانت محطة سننية لفرز الصف المؤمن وكشف معادن الرجال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
التفريق العقلي الأصولي الحاسم بين (الإرادة الكونية) و(الإرادة الشرعية):
تحتج طوائف الجبرية والقدرية بمثل هذا النص لإحداث لبس في أفعال العباد وقضاء الله؛ فيقال: كيف يكون بإذن الله وقد نهى الله عن المعصية والفشل؟
فالإذن الكوني: هو مشيئة الله التامة العامة المحيطة بكل ما يقع في ملكه من خير وشر وطاعة ومعصية؛ فلا يقع في الكون شيء كرهاً عنه سبحانه.
والإذن الشرعي: هو ما يحبه الله ويرضاه ويأمر به رسله.
فمعصية الرماة وهزيمة أحد وقعت بالإذن الكوني قدراً لحكم بالغة، وإن كانت منهياً عنها شرعاً. وبذلك ينحل الإشكال ويجتمع نفوذ القدر مع عدالة التكليف والمسؤولية البشرية (مجموع فتاوى ابن تيمية، ج٨، ص١٨٠؛ شفاء العليل لابن القيم، ص٩٠).