وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
الآثار وتفسير السلف في أصناف الشهوات:
أخرج أحمد في «المسند» (الرقم: 211)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٢١١ والترمذي (الرقم: 3004)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٠٤ وصححه والحاكم (2/287)مصدر غير محدد٢/٢٨٧ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما نزلت: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ...﴾ قال: «الآن يا رب حين زينتها لنا؟! فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ...﴾».
وجاء في «الصحيحين» (البخاري: 5096، مسلم: 2740) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ».
وروى أحمد (الرقم: 11211)مصدر غير محددحديث رقم ١١٢١١ وابن حبان (الرقم: 708)مصدر غير محددحديث رقم ٧٠٨صحيح بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ».
قوله تعالى: ﴿الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: قرأ الجمهور بفتح الواو المشددة: ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ اسم مفعول من التسويم، وقرأ عاصم الجحدري بكسر الواو: ﴿الْمُسَوِّمَةِ﴾ اسم فاعل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
حُبُّ الشَّهَوَاتِ: الشهوات جمع شهوة، وهي ميل النفس الشديد إلى ما يلائمها وتلذ به، وتنكير التزيين وإسناده إلى الحب نفسه إشارة إلى أن المذموم ليس مجرد وجود هذه الأعيان، بل الإفراط في محبتها والاستغراق فيها حتى تشغل عن طاعة الله.
الْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ: القناطير جمع قنطار، وهو المال الكثير المتكاثر، والمقنطرة اسم مفعول مؤكد ومضاعف للاشتقاق؛ أي أموال مضاعفة مكدسة بعضها فوق بعض.
الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ: المسوَّمة فيها ثلاثة أوجه فصيحة:
المطهمة الحسان المعلمة بعلامات الجمال والأصالة (من السِّيمياء وهي العلامة).
الراعية في المروج والمسارح (من السوم وهو الرعي).
المعدة والمرصدة للجهاد والقتال.
الْحَرْثِ: الأرض المهيأة للزراعة والغرس.
حُسْنُ الْمَآبِ: المآب هو المرجع والمرد والمنقلب، وحسن المآب هو الجنة ونعيمها الدائم المقيم عند الله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التحليل النفسي البديع لجواذب الدنيا ومصائدها:
بعد أن حذر من الاغترار بأموال الكفار وقواهم، كشف القرآن عن الجذور النفسية الفطرية التي تدعو الإنسان إلى التعلق بالدنيا والقعود عن التضحية؛ فعدد أصول المشتهيات الدنيوية الستة التي تشغل بني آدم مرتبة بحسب شدة تعلق النفوس بها:
النساء: أشد الشهوات جاذبية وفتنة للرجال.
البنين: عصب القوة والعزوة والامتداد الفخري.
الذهب والفضة المكنوزة: عماد الثروة والسيادة الاقتصادية.
ثم حسم قيمتها الحقيقية في ميزان الخلود بكلمة واحدة: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: هل تحرم هذه المشتهيات الدنيوية في الإسلام؟:
المحاكمة والتحقيق الشرعي والأخلاقي: بين أئمة الإسلام (كابن القيم في «عدة الصابرين» والشاطبي في «الموافقات») أن هذه المشتهيات لم تحرم لذاتها، بل هي نعم خلقها الله للإنسان؛ فحبها الفطري مركب في الجبلة لتستمر عمارة الأرض وبقاء النسل، وإنما المحذور والمهلك هو أن تستولي هذه الشهوات على القلب حتى يقدمها على محبة الله ورسوله والجهاد، أو يكتسبها من حرام، أو يمنع حق الله فيها. أما من أخذها من حلها واستعان بها على طاعة ربه، كانت له عوناً على الآخرة وقربة إلى الله.
دقة التعبير بـ ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ ولم يقل حب الطيبات:
ليدل على أن هذه الأشياء إنما تهواها النفس لاشتهاء اللذة الفانية، وسماها متاعاً؛ والمتاع هو ما يتمتع به المسافر ثم يتركه وينقضي سريعا كقصعة الراكب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
جعل الدنيا في اليد لا في القلب:
سمت المؤمن الراشد أن يملك المال والولد والدنيا ويسخرها لخدمة دينه، دون أن يملكه المال أو تسترقه الشهوات، وتظل عينه وقلبه معلقين بـ «حسن المآب» عند ربه.