أجمع القراء العشرة على كسر همزة ﴿إِنَّمَا﴾ كافة ومكفوفة تفيد الحصر، وضم ميم الجمع في ﴿ذَٰلِكُمُ﴾ للتخلص من التقاء الساكنين، وضم ياء ﴿يُخَوِّفُ﴾ وكسر الواو المشددة مضارع خوّف المتعدي لمفعولين، وقرأ الجميع بإثبات نون الوقاية وحذف ياء المتكلم وصلاً ووقفاً أو إثباتها في ﴿وَخَافُونِ﴾ (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥١)مصدر غير محدد٢/٢٥١.
سياق الأثر:
كشف المحرك الخفي لعملية التخويف والإرجاف التي حدثت للمسلمين؛ فالشيطان هو الذي وسوس للناس وألقى في روعهم تضخيم قوة الكفار ليرهبوا أولياء الله.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٩٤٥)مصدر غير محدد٥/٩٤٥ عن قتادة والسدي قالا: "أي إنما ذلك الذي قال لكم: إن الناس قد جمعوا لكم، إنما هو الشيطان أو متكلم بلسان الشيطان، يلقيه في قلوب أوليائه من الكفار والمنافقين ليخوفكم بهم، فلا تخافوا الكفار وخافوا الله وحده".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات والدلالات:
إنما ذلكم الشيطان: اسم الإشارة يعود إلى القائل المثبط أو إلى صوت الإرجاف والتخويف.
يخوف أولياءه: فيه وجهان بيانيان معتمدان:
الأول: يحذف المفعول الأول وتقديره: يخوفكم بأوليائه؛ أي يجعلكم تخافون من الكفار.
الثاني: يخوف أتباعه والمنافقين الذين يوالونه؛ لأن الشيطان لا يتسلط بالخوف إلا على من تولاه وضعف إيمانه، أما المؤمن فلا سلطان له عليه.
فلا تخافوهم وخافون: نهي جازم عن الخوف من أعداء الله الكفار، وأمر بحصر الخوف والخشية في الجناب الإلهي وحده.
الإعراب والتركيب:
﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة تفيد الحصر.
﴿ذَٰلِكُمُ﴾: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب والميم للجمع.
﴿الشَّيْطَانُ﴾: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة (أو بدل والجملة بعده خبر).
﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾: يخوف مضارع مرفوع والفاعل مستتر يعود على الشيطان، أولياءه مفعول به أول منصوب والمفعول الثاني محذوف (أو مفعول به ثانٍ والمفعول الأول محذوف تقديره: يخوفكم أولياءه)، والجملة في محل رفع خبر ثانٍ أو حال.
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾: الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر، لا ناهية جازمة، تخافوهم مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به.
﴿وَخَافُونِ﴾: الواو عاطفة، خافون فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والنون للوقاية والياء المحذوفة للتخفيف مفعول به.
﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾: إن شرطية جازمة، كنتم ناقص واسمه، مؤمنين خبرها، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله؛ أي إن كنتم مؤمنين حقاً فخافوني وحدي ولا تخافوهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفكيك نفسي واستراتيجي لأكبر خدعة شيطانية؛ فبعد أن أراهم كيف انقلب الصحابة بنعمة وفضل لما قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فضح هنا حقيقة "صناعة الخوف والرعب": إن الخوف من بطش الطغاة والأعداء ليس إلا بضاعة شيطانية يصنعها إبليس في معامله الخبيثة ليربك بها النفوس الضعيفة، ثم أصدر الأمر الإلهي القاطع: اقطعوا حبال الخوف من المخلوقين وأفردوا الخوف للخالق العظيم وحده؛ فمن خاف الله خافه كل شيء، ومن خاف غير الله أخافه الله من كل شيء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
البرهان العقلي والشرعي على حقيقة "الخوف الجبلي الفطري" و"الخوف الشركي المحرم":
قد يشكل على القارئ: هل الخوف المنهي عنه يشمل الخوف الطبيعي الفطري كخوف الإنسان من الأسد أو النار أو العدو الشاهر لسيفه؟
والتحقيق الفقهي العقدي الدقيق:
١. الخوف الفطري الجبلي: كخوف موسى عليه السلام: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾؛ هذا لا حرج فيه شرعاً لأنه مقتضى الطبيعة البشرية.
٢. الخوف الشركي المحرم المنهي عنه في الآية: هو خوف السر والاعتقاد بأن العدو يملك النفع والضر استقلالاً، أو الخوف الذي يحمل العبد على ترك الواجبات الشرعية (كالجهاد وقول الحق) أو ارتكاب المحرمات (كموالاة الكفار والنكوص عن نصرة الدين)؛ فالمؤمن وإن فزع طبعه إلا أن يقينه بالله يغلبه فيثبت ولا يعصي الله من أجل خوف مخلوق (مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج١٤، ص١٩٠؛ تيسير العزيز الحميد، ص٤٢٠).