بيان تباين منازل الخلق وتفاوت درجاتهم في الثواب والعقاب عند الله عز وجل بحسب أعمالهم ونياتهم.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٨٩١)مصدر غير محدد٥/٨٩١ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ﴾ يعني: أهل الخير وأهل الشر، ليس من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله، لأهل رضوانه درجات رفيعة في الجنة، ولأهل سخطه دركات في النار".
وأخرج مسلم في صحيحه (كتاب الجنة وصفة نعيمها، رقم: ٢٨٣١)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٣١ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
هم درجات
الدرجات جمع درجة، وهي المرقاة والمنزلة العالية؛ وأطلقت هنا على منازل أهل الجنة (درجات عليا)، ومنازل أهل النار (دركات سفلى) تغليباً للدرجات.
عند الله
في علمه ومكافأته وحكمه ومقر كرامته.
بصير بما يعملون
محيط بأعمالهم الظاهرة والباطنة لا يغيب عنه منها دقيق ولا جليل، وسيجازيهم بمقتضاها.
هُمْ
ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، يعود على الفريقين المذكورين (أهل الرضوان وأهل السخط) أو على متبعي الرضوان خاصة.
دَرَجَاتٌ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة؛ على حذف مضاف؛ أي هم ذوو درجات، أو أطلق عليهم الدرجات مبالغة حتى كأنهم هم أنفسهم الدرجات لتمكنهم منها وتفاوتهم الصارخ فيها.
عِندَ اللَّهِ
عند ظرف مكان متعلق بمحذوف نعت لـ (درجات)، والله مضاف إليه مجرور.
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
الواو استئنافية، الله مبتدأ، بصير خبره، بما يعملون متعلق ببصير، وجملة يعملون صلة ما.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل بديع بعد الإجمال في الآية السابقة؛ فبعد أن قسم الخلق إلى متبع للرضوان وباء بالسخط، بين هنا أن كل قسم من هذين القسمين ليس على رتبة واحدة مصمتة، بل هم أنفسهم مراتب ومنازل ودرجات متباينة تفوق الحصر؛ فالمؤمنون يتفاوتون في منازل الجنة بحسب إخلاصهم وجهادهم وصبرهم ويقينهم، والمنافقون والكفار يتفاوتون في دركات الجحيم بحسب كفرهم ونفاقهم وإجرامهم وظلمهم، والله بصير بأدق تفاصيل أعمالهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
البرهان على تفاوت الجزاء بتفاوت العمل في ميزان العدل الإلهي:
ترد هذه الآية على من يتوهم أن دخول الجنة أو النار يجعل كل من دخلهما مستوياً مع غيره في النعيم أو العذاب! فالتحقيق العقلي والشرعي: أن الجنة درجات مائة ما بين الدرجة والأخرى كما بين السماء والأرض، وأعلاها الفردوس وسقفه عرش الرحمن؛ وأن النار دركات سبعة أشدها الدرك الأسفل للمنافقين. وهذا التفاوت مقتضى كمال العدل الإلهي وحكمة الجزاء؛ فالذي بذل روحه وماله في أول الهجرة ليس كمن أسلم وقعد (تفسير القرطبي، ج٤، ص٢٣٥؛ المنهاج للنووي، ج١٧، ص١٦٩).
المجاز بالحذف أو المبالغة التشبيهية: في ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾؛ جعل ذواتهم كأنها هي الدرجات نفسها؛ لشدة تلبسهم بمراتب القرب أو البعد عن الله، وتجسيداً للفوارق الهائلة بين منازلهم.
التذييل بصفة (البصير): ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾؛ تحذيراً وترغيباً؛ فالمطلع بصير بدوافع القلوب وحركات الجوارح، فلا يظلم مثقال ذرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
علو الهمة في طلب أعلى الدرجات في الفردوس الأعلى؛ فلا يرضى المؤمن بالدنية في دينه ولا يقنع بالنجاة المجردة وهو يرى ميادين السباق مفتوحة.
استشعار المراقبة الإلهية في السر والعلن؛ فالبصير سبحانه يرى تقلبات القلوب ومثاقيل الذر من الأعمال.