أجمع القراء العشرة على فتح خاء ولام ﴿خَلَتْ﴾ وتسكين تاء التأنيث، وضم سين ونون ﴿سُنَنٌ﴾ وتنوينها بالرفع فاعلاً، وكسر عين ﴿عَاقِبَةُ﴾ وضم تائها اسماً لـ كان أو خبراً مقدماً (معاني القرآن للفراء، ج١، ص٢٣٥)مصدر غير محدد١/٢٣٥.
أسباب النزول وسياق الأثر:
بعد أن وقعت للمسلمين نكبة أحد وقُتل منهم سبعون وجُرح النبي صلى الله عليه وسلم وكُسرت رباعيته، استولى الحزن والغم على المسلمين وتساءلوا كيف يُدال علينا المشركون ونحن جند الله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية تسليةً لقلوبهم، وتذكيراً بسنته الثابتة الجارية في خلقه عبر التاريخ، وأنه لم يخلُ الرسل وأتباعهم من ابتلاء ثم تكون العاقبة لهم (جامع البيان للطبري، ج٥، ص٧٨٥)جامع البيانالطبري٥/٧٨٥.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
خلت
مضت ومسحتها يد الزمان، وخلا المكان والزمان إذا ذهب ما كان فيه.
السنن
جمع سنة، وهي الطريقة والنهج المتبع المألوف، وسنة الله تعالى: عادته وحكمته المستمرة في معاملة الأمم بالنصر للمؤمنين والهلاك والخزي للمكذبين بعد الابتلاء والتمحيص.
فانظروا
نظر اعتبار وبصيرة وعقل وتفكر في آثار الماضين.
قَدْ
حرف تحقيق.
خَلَتْ
فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتاء للتأنيث.
مِن قَبْلِكُمْ
جار ومجرور متعلقان بـ (خلت).
سُنَنٌ
فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
الفاء الفصيحة رابطة لجواب شرط مقدر؛ سيروا: فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، وفي الأرض متعلق بسيروا.
فَانظُرُوا
عاطفة، انظروا: فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
كيف: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر كان مقدماً، كان: فعل ماض ناقص، عاقبة: اسم كان مرفوع بالضمة، المكذبين: مضاف إليه مجرور بالياء، والجملة الاستفهامية علقت فعل النظر عن العمل اللفظي وهي في محل نصب مفعول به لـ (انظروا).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحول عظيم في سياق الخطاب القرآني من التوجيه الأخلاقي الإيماني الداخلي (الإنفاق، كظم الغيظ، الاستغفار) إلى التأسيس لفلسفة التاريخ القرآني وقوانين الاجتماع البشري وحتمية السنن الإلهية. والمعنى: لا تنظروا إلى حادثة أحد كحدث معزول ومقطوع، بل انظروا إليها كحلقة من حلقات الصراع الأزلي بين الحق والباطل، فإن سنة الله قضت بأن الباطل قد يصول صولة ولكن مآله البوار والهلاك، وأن العاقبة للمتقين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة الصدفة والعبث في الصراعات التاريخية وحركات الأمم:
تبطل هذه الآية النظرة المادية العبثية التي تزعم أن حركات التاريخ وانتصار الأمم أو هزيمتها ترجع للمصادفة العشوائية أو القوة الغاشمة فحسب؛ إذ تؤكد الآية وجود "قوانين سننية كونية ثابتة" ﴿سُنَنٌ﴾ أودعها الله في طبائع البشر والمجتمعات لا تتبدل ولا تتحول: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. وهذه السنن توجب الاعتبار بالعقل واستقراء التاريخ البشري لرؤية مصارع الظالمين (تفسير الرازي، ج٩، ص١٨)مصدر غير محدد٩/١٨.
تأكيد السننية بالتنكير: ﴿سُنَنٌ﴾؛ تنكيرها يدل على تنوعها وشمولها لكافة مجالات الاجتماع البشري؛ كسنة التدافع، وسنة الابتلاء، وسنة الاستدراج، وسنة نصر المؤمنين بعد حين.
الأمر بالمسير والنظر: ﴿فَسِيرُوا... فَانظُرُوا﴾؛ الجمع بين السير الحسي في الديار البائدة لمعاينة آثار عاد وثمود وقوم لوط، والسير العقلي بالبصيرة والتفكر لاستنباط الأسباب والنتائج.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ربط الداعية والمجاهد بقوانين التاريخ وعظات القرون الأولى؛ فذلك يرسخ اليقين بأن الغلبة المرحلية لأهل الكفر ليست انتصاراً دائماً، وإنما هي جولة يتبعها زوال الباطل.
إرساء منهج البحث والاستقراء التاريخي الميداني في القرآن الكريم.