قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿فَلَا يَحْسَبَنَّهُم﴾ بياء الغيبة في الموضع الثاني؛ وفاعله مستتر يعود على النبي صلى الله عليه وسلم أو على السامع، والهاء مفعول أول وبمفازة مفعول ثانٍ. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف العاشر: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم﴾ بتاء الخطاب في الموضعين للتوكيد.
وقرأ الجمهور بفتح همزة ﴿أَتَوا﴾ ماضياً من الإتيان؛ أي بما فعلوا وصنعوا، وقرئ في الشواذ (آتَوا) بالمد من الإيتاء؛ أي بما أُعطوا (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥٦؛ التيسير، ص٩٣).
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزلت في شأن طائفتين جمعتا بين خيانة العمل وحب المدح الكاذب:
الطائفة الأولى: المنافقون الذين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا وقعدوا وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، فإذا رجع اعتذروا إليه بالأعاذير الكاذبة وحلفوا وأحبوا أن يحمدهم النبي والمسلمون ويعذروهم ويعدوهم من الصالحين!
الطائفة الثانية: أحبار يهود الذين كتموا نعت النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة وبدلوا الأحكام وفرحوا بما صنعوا، ثم زعموا للناس أنهم أهل الكتاب الأولون المتمسكون بدين إبراهيم وموسى وأحبوا أن يحمدوا بالتمسك بالحق وهم له كارهون.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، رقم: ٤٥٦٧)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٦٧ ومسلم (كتاب صفات المنافقين، رقم: ٢٧٧٧)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٧٧ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "أن رجالاً من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا خرج النبي إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، فإذا قدم النبي اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا...﴾".
وأخرج البخاري في صحيحه أيضاً (رقم: ٤٥٦٨)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٦٨ ومسلم عن حميد بن عبد الرحمن أن مروان بن الحكم قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له: لئن كان كل امرئ منا يفرح بما أوتي ويحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن جميعاً! فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما نزلت هذه في أهل الكتاب، دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه! ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ...﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ...﴾.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بما أتوا
بما فعلوا من الكتمان والتخلف والتدليس والمكر السيئ.
يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا
يطلبون الثناء والمدح بالصلاح والإخلاص والشجاعة والأمانة وهم مفلسون منها وخالون عن حقيقتها.
بمفازة من العذاب
المفازة من الفوز؛ وهي مكان النجاة والأمان والمنجاة؛ أي ليسوا بمنأى ولا في منجاة ومعزل من عذاب الله.
لَا تَحْسَبَنَّ
لا ناهية جازمة، تحسبن مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم والفاعل مستتر تقديره أنت.
الَّذِينَ يَفْرَحُونَ
الذين اسم موصول مفعول به أول لتحسبن، وجملة يفرحون صلة الموصول.
بِمَا أَتَوا
متعلق بيفرحون، أتوا صلة ما.
وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا
معطوف على يفرحون، والمصدر المؤول من أن والفعل مفعول به ليحبون، ونائب فاعل يحمدوا مستتر.
بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا
متعلق بيحمدوا.
فَلَا تَحْسَبَنَّهُم
الفاء رابطة مؤكدة، لا ناهية، تحسبنهم توكيد لفظي لتحسبن الأولى، والهاء مفعول به أول.
بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ
الباء حرف جر زائد في المفعول الثاني (أو شبه جملة في محل نصب مفعول ثانٍ)، مفازة مجرور لفظاً منصوب محلاً، من العذاب نعت لمفازة.
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
عاطفة، لهم خبر مقدم، عذاب مبتدأ مؤخر، أليم نعت مرفوع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفكيك نفسي أخلاقي مذهل لمرض "التزوير والرياء والاستشراف للثناء الكاذب"؛ فبعد أن فضح كتمان أهل الكتاب للميثاق في الآية السابقة، بين هنا طبيعتهم النفسية وطبيعة المنافقين: إنهم لا يكتفون بجريمة التخلف أو الكتمان، بل يريدون أن يتوجوا فوق ذلك بأكاليل المديح الزائف والثناء الذي لم يبذلوا في سبيله جهداً! فحكم الله عليهم بحكم جازم مكرر: لا تظنهم في منجاة من عذاب الله، بل العذاب محيط بهم لا محالة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الفرق الجوهري بين "حب المدح المشروع" و"حب الحمد بما لم يفعل":
أزال ابن عباس رضي الله عنه الإشكال الذي وقع فيه مروان بن الحكم؛ فبين أن الفرح المشروع بنعمة الله والتوفيق للعمل الصالح جائز وفضيلة: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾؛ وأن حب الثناء بالحق على ما بذله الإنسان من معروف دون كبر ولا رياء من عاجل بشرى المؤمن. أما الذم والوعيد الشديد في الآية فهو خاص بمن يجمع بين خصلتين خبيثتين:
١. الفرح بالمعصية والمنكر والغدر والكتمان.
٢. والحرص على أن يمدحه الناس بالصلاح والجهاد والأمانة وهو يعلم من نفسه أنه لم يفعل ذلك! فذلك هو التزوير والغرور المقيت (مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص١٤٥؛ تفسير القرطبي، ج٤، ص٢٦٠).
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر الشديد من "المتشبع بما لم يعط"؛ ففي الحديث الصحيح: "المتشبع بما لم يُعط كلابس ثوبي زور" (صحيح البخاري، رقم: ٥٢١٩)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٥٢١٩.
إخلاص العمل لله ومقت الرياء وحب الشهرة الزائفة والثناء على غير حقيقة.