وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
الآثار الصحيحة في دعاء الثبات على الدين:
أخرج الإمام أحمد في «المسند» (الرقم: 24068)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٢٤٠٦٨ والترمذي في «سننه» (الرقم: 3522)مصدر غير محددحديث رقم ٣٥٢٢ وصححه، وابن حبان (الرقم: 943)مصدر غير محددحديث رقم ٩٤٣ عن أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه أن يقول: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فقالت له أم سلمة: يا رسول الله، وإن القلوب لتتقلب؟ قال: «نَعَمْ، مَا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ بَشَرٍ إِلَّا أَنَّ قَلْبَهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَإِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّنَا أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَأَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً، إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ».
وجاء في «صحيح مسلم» كتاب القدر (الرقم: 2654)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٥٤ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾: قرأ القراء العشرة بجزم ﴿تُزِغْ﴾ بالسكون نهياً ودعاءً، وكسر الزاي وتسكين الغين، وإسكان نون ﴿لَدُنْكَ﴾ مع الإخفاء الحقيقي عند الكاف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
لَا تُزِغْ: الإزاغة هي الإمالة عن الصراط المستقيم، والدعاء هنا بطلب التثبيت وحفظ القلب من وساوس الزيغ والانحراف بعد حصول نعمة الهدى.
مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً: «لَدُنْ» ظرف يدل على ابتداء الغاية المكانية أو المعنوية مع مزيد القرب والتشريف، أي هب لنا رحمة فائضة خاصة من خزائن فضلك وإحسانك تعصمنا بها من الزلل.
الْوَهَّابُ: صيغة مبالغة تدل على كثرة الهبات وتنوعها واستمرارها بلا انقطاع وبلا عوض مقابل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التضرع النبوي الواقي عقب الحذر من الزيغ:
جاء هذا الدعاء المحكم في غاية المناسبة: فلما ذكر الله حال الذين في قلوبهم زيغ وكيف أهلكتهم أهواؤهم في تتبع المتشابه، فزع الراسخون في العلم إلى الله خائفين وجلين ألا يسلبهم نعمة الإيمان، فهتفوا بهذا الدعاء: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾؛ تعليماً للأمة أن الرسوخ في العلم لا يورث كبراً ولا إدلالاً، بل يورث افتقاراً وتذللاً وخوفاً من سوء المنقلب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة خلق أفعال العباد وإسناد الإزاغة إلى الله:
احتج بعض الجبرية والمعتزلة بإسناد الإزاغة إلى الله تعالى في الآية.
المحاكمة العقدية عند أهل السنة والجماعة: الإزاغة عقوبة عادلة من الله لمن اختار الزيغ لنفسه بظلمه وتوليه عن الحق، كما قال تعالى صراحة: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾؛ فالعبد يبدأ بالانحراف واتباع الهوى فيعاقبه الله بالحرمان والخذلان، وسؤال المؤمن لله ألا يزيغ قلبه هو سؤال التوفيق والمعونة والعصمة من أسباب الزيغ.