أجمع القراء العشرة على فتح واو وكسر ذال ﴿وَإِذْ﴾، وفتح غين ودال وتاء ﴿غَدَوْتَ﴾ ماض من الغدو وهو الخروج أول النهار، وضم تاء وفتح باء وكسر واو مشددة مهموزة ﴿تُبَوِّئُ﴾ مضارع بوأ يبوئ تبويئاً؛ أي تُنزل وتوطن وتهيئ، ونصب ﴿مَقَاعِدَ﴾ مفعولاً ثانياً بالفتحة غير منون لمنعه من الصرف على صيغة منتهى الجموع (التيسير للداني، ص٩٠)مصدر غير محدد٩٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
مستهل الحديث عن "غزوة أحد الكبرى" (شوال سنة ٣ هـ)؛ وهي الملحمة العظيمة التي ابتلي فيها المؤمنون ومحصت فيها الصفوف، حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجر عائشة رضي الله عنها بالمدينة صبيحة يوم السبت سابع شوال، ونزل بالشِّعب من جبل أحد، وجعل ظهره إلى الجبل ووجهه إلى المدينة، ورتب صفوف الجيش، وأمر خمسين من الرماة بقيادة عبد الله بن جبير رضي الله عنه على جبل الرماة (عينين).
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب غزوة أحد، رقم: ٤٠٣٩)مصدر غير محددحديث رقم ٤٠٣٩ ومسلم (كتاب الجهاد والسير، رقم: ١٧٩٦)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٩٦ عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: "جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد عبد الله بن جبير، وأمر عليهم خمسين رجلاً، فقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطئناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم...".
وأخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٧٢٠)مصدر غير محدد٥/٧٢٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد قالا: "نزلت هذه الآيات من قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ إلى رأس ستين آية في شأن غزوة أحد وما جرى فيها من البلاء والنصر ثم الهزيمة والتمحيص والعفو".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
غدوت
الغدو هو الخروج في أول النهار بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وغدا من أهله أي خرج من بيت زوجه عائشة رضي الله عنها.
تبوئ المؤمنين
التبوئة هي الإنزال والتمكين والترتيب في المكان والمنازل؛ وبوأ الجيش: أنزل كل فرقة في موضعها الاستراتيجي المناسب لها عسكرياً.
مقاعد للقتال
المقاعد جمع مَقْعَد، وأصله موضع القعود، واستعمل هنا لمواضع الوقوف والثبات في خطوط المعركة؛ لأن المقاتل يثبت في مكانه ثبات القاعد المتمكن لا يبرحه.
والله سميع عليم
سميع لأقوالكم ومشاورتكم، عليم بنياتكم وضمائركم وما يقع في قلوبكم.
وَإِذْ
الواو استئنافية، إذ ظرف لما مضى من الزمان مبني في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره (واذكر إذ غدوت).
غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ
غدوت فعل وفاعل صلة إذ، من أهلك متعلقان بغدوت، والكاف مضاف إليه.
تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ
تبوئ مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره أنت، المؤمنين مفعول به أول منصوب بالياء، مقاعد مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، وللقتال جار ومجرور نعت لمقاعد (أو متعلقان بتبوئ)، والجملة الفعلية في محل نصب حال من تاء غدوت.
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
الواو حالية أو استئنافية، الله مبتدأ، سميع خبر أول، عليم خبر ثانٍ مرفوعان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة استهلال ملحمي فائق الروعة: بعد أن انتهت الآيات السابقة بتقرير القاعدة الذهبية ﴿وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾، انتقل السياق فوراً إلى ساحة التطبيق الميداني والامتحان العملي للصبر والتقوى في غزوة أحد؛ ليُري المؤمنين كيف يتحول الصبر والتقوى إلى نصر مؤزر، وكيف يؤدي التنازع وعصيان أمر القيادة إلى اضطراب الصف ومرارة الهزيمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة القيادة العسكرية النبوية والتخطيط الحربي الدقيق:
كيف يجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين كونه رسولاً يوحى إليه وبين كونه قائداً عسكرياً يباشر التكتيك وتوزيع المقاتلين؟
المحاكمة العقلية وتأصيل الجمع بين التوكل والأسباب:
الآية تبرز كمال العبقرية القيادية للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فلم يكن اعتماده على الوحي والمعجزات مسقطاً للأخذ بالأسباب الأرضية والتخطيط الحربي البارع؛ فخرج من أول النهار، ودرس تضاريس جبل أحد، وحمى ظهور المقاتلين بالجبل، وسد الثغرة الوحيدة بكتيبة الرماة الخمسين وأمرهم بالثبات المطلق. فكانت خطته العسكرية نموذجاً معجزاً في علم الحرب والتكتيك الدفاعي والهجومي (زاد المعاد لابن القيم، ج٣، ص١٩٠-٢٠٥؛ فقه السيرة للبوطي، ص١٨٥).
التعبير بـ ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ فيه إشعار بالتضحية النبوية العظيمة؛ حيث فارق أهله وأحبابه وراحته البيتية وخرج إلى الغبار واللأواء وخطر الموت في سبيل إعلاء كلمة الله.