وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح لام ﴿تِلْكَ﴾ اسم إشارة للمؤنث، وكسر تاء ﴿آيَاتُ﴾ خبراً لتلك، وسكون تاء وضم لام ﴿نَتْلُوهَا﴾، وتنوين ﴿ظُلْمًا﴾ بالنصب مفعولاً به ليريد، وجر ﴿لِّلْعَالَمِينَ﴾ بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم (التيسير للداني، ص٨٩)مصدر غير محدد٨٩.
أسباب النزول وسياق الأثر:
تعقيب إلهي جليل يختم به هذا المشهد المهيب للجزاء والتمايز بين فريقي القيامة؛ لتقرير أن ما تلي على النبي صلى الله عليه وسلم هو الحق المطلق الصادر عن علم الله، وأن عذابه للكافرين وثوابه للمؤمنين جارٍ على وفق العدل التام المنزه عن الظلم.
قال قتادة ومجاهد: "﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق والعدل، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ﴾ فلا يعذب أحداً إلا بذنبه بعد قيام الحجة وإرسال الرسل، ولا ينقص من حسنات محسن مثقال ذرة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تلك
اسم إشارة للبعيد إشعاراً بعلو شأن الآيات المتلوة وفخامة قدرها.
نتلوها عليك بالحق
تلاوة صادقة مصحوبة بالحق والعدل واليقين الذي لا يداخله شك.
وما الله يريد ظلماً للعالمين
نفي مستغرق تام لإرادة الظلم؛ فالظلم مستحيل على الله تعالى لكمال عدله وغناه وقدرته.
للعالمين
جميع الخلائق من الإنس والجن وسائر العوالم.
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ
تلك اسم إشارة مبتدأ، آيات خبر مرفوع والله مضاف إليه.
نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ
نتلوها فعل ومفعول به والفاعل مستتر تقديره نحن للتعظيم، عليك متعلقان بنتلوها، بالحق جار ومجرور حال من الضمير في نتلوها، والجملة حال ثانية أو خبر ثانٍ لتلك.
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ
الواو استئنافية تذييلية، ما نافية تعمل عمل ليس أو مهملة، الله اسمها (أو مبتدأ)، يريد مضارع فاعله هو، ظلماً مفعول به منصوب، وللعالمين نعت لظلماً (أو متعلقان بيريد)، والجملة خبر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قاعدة أصولية لتقرير العدل الإلهي المطلق: بعد أن ساق مشهد تبييض الوجوه وتسوييدها والعذاب الأليم للكافرين والنعيم الخالد للمؤمنين، بيّن أن هذا التفريق ليس ظلماً ولا محاباة، بل هو مقتضى العدل والحكمة؛ فالله غني عن تعذيب عباده، وما يعذب من يعذب إلا بكفره وظلمه لنفسه، فكان هذا التذييل صيانة للعقيدة وتطهيراً للنفوس من أي توهم فاسد في أفعال الله وقضائه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة الظلم إلى أفعال الله تعالى ودحض مذهب الجبرية:
يزعم بعض أهل الضلال أن الله قد يظلم عباده أو يعذب من لا ذنب له!
المحاكمة العقلية وتأصيل عقيدة أهل السنة والجماعة:
١. نص الآية قاطع في نفي أصل إرادة الظلم: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ﴾؛ فنفى إرادة الظلم فضلاً عن فعله ومباشرته، والله سبحانه حرم الظلم على نفسه كما في الحديث القدسي الصحيح عند مسلم: "يا عبادي، إني حرمتُ الظلم على نفسي وجعلتُه بينكم محرماً فلا تظالموا".
٢. الظلم وضع الشيء في غير موضعه أو نقص حق مستحق للعبد؛ والله تعالى منزه عن ذلك لكمال غناه وعدله؛ فلا يعاقب بريئاً بذنب غيره، ولا ينقص حسنة عامل، وإنما يجازي على الأعمال التي كسبها العباد باختيارهم وقدرتهم (منهاج السنة لابن تيمية، ج٢، ص٢٨٥-٢٩٥؛ شرح الطحاوية، ج١، ص١٦٥).