أجمع القراء العشرة على إسكان نون ﴿فَانقَلَبُوا﴾ وإخفائها، وتنوين ﴿بِنِعْمَةٍ﴾ و﴿وَفَضْلٍ﴾ بالجر، وتسكين سين ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ﴾ وإدغامها في السين المضمومة أو إظهارها، ونصب ﴿سُوءٌ﴾ بالرفع فاعلاً لـ (يمسسهم)، وتنوين ﴿عَظِيمٍ﴾ بالجر نعتاً لـ فضل (التيسير، ص٩٢)مصدر غير محدد٩٢.
سياق الأثر:
الثمرة العاجلة والآجلة لقولهم: (حسبنا الله ونعم الوكيل) وصدق توكلهم وخروجهم للقاء العدو؛ فرجعوا منصورين محفوظين لم يمسسهم أدنى أذى، وربحوا في تجارتهم الدنيوية ونالوا رضوان الله الأكبر.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٩٤٠)مصدر غير محدد٥/٩٤٠ عن ابن عباس ومجاهد والضحاك قالوا: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى بدر الصغرى ومعهم تجارات، فأقاموا ينتظرون أبا سفيان ثمانية أيام، فخاف أبو سفيان ورجع بجيشه، وباع المسلمون تجاراتهم وربحوا درهماً بدرهم، فرجعوا إلى المدينة سالمين رابحين لم يلقوا قتالاً، فأنزل الله: ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فانقلبوا
رجعوا وعادوا إلى المدينة المنورة بعد إنجاز المهمة وإرهاب العدو.
بنعمة من الله
السلامة والعافية والأجر والثبات.
وفضل
الأرباح التجارية والمغانم التي ظفروا بها في موسم بدر.
بنعمة جار ومجرور في محل نصب حال من واو انقلبوا؛ أي انقلبوا ملتبسين بنعمة، من الله نعت لنعمة، وفضل معطوف عليه.
لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ
لم جازمة، يمسسهم مضارع مجزوم والهاء مفعول به، سوء فاعل مرفوع بالضمة، والجملة في محل نصب حال ثانية من واو انقلبوا.
وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ
معطوف على انقلبوا، رضوان مفعول به ولفظ الجلالة مضاف إليه.
وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
الواو استئنافية، الله مبتدأ، ذو خبر مرفوع بالواو وهو مضاف، فضل مضاف إليه، عظيم نعت مجرور.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أسرع الفرج وما أعظم الجزاء المرتب على التوكل الصادق! في الآية السابقة قالوا بيقين تام: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، فعقّب القرآن مباشرة بالفاء الدالة على السرعة والسببية: ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾! ليرى المسلمون عياناً كيف تحول التهديد الرهيب إلى أمان مطلق، والخوف إلى نصر تجاري وعسكري مؤزر، دون أن تراق قطرة دم واحدة!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة توهم التناقض بين طلب الرضوان والتكسب المالي الدنيوي:
جمعت الآية بين نيل "الفضل" (الأرباح المالية والتجارية) و"اتباع رضوان الله"؛ لتقرر في ميزان العقل والشريعة أن العمل الدنيوي المشروع والربح المالي النزيه لا ينافي كمال التوكل والزهد ولا يعارض إخلاص الجهاد، ما دام القصد الأصلي هو طاعة الله ونصر دينه، فالدنيا إذا جاءت تبعاً في كف المؤمن استعان بها على طاعة ربه (تفسير ابن كثير، ج٢، ص١٣٧؛ المحرر الوجيز، ج١، ص٥٣٥).
التعقيب الفوري بالفاء: ﴿فَانقَلَبُوا﴾؛ إشعار ببركة كلمة التوحيد والتوكل وسرعة استجابة الله لأهلها.
النفي العام التام المحيط بالمس والتنكير: ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾؛ نفى أدنى مساس للسوء (وهو أقل درجات الإصابة)، ونكّر (سوء) في سياق النفي ليعم كل أنواع المكروه البدني والنفسي والمادي.
التذييل بـ ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾: حصر وتقرير بأن كل خير يتقلب فيه العباد هو أثر من آثار فضله العظيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التمسك بالتوكل والاسترجاع في مواجهة الشدائد؛ فمن توكل على الله كفاه ونقله من الخوف إلى النعمة والفضل.
استثمار مواسم العبادة والجهاد في التجارة الحلال، وربط حركة الاقتصاد بالحياة الإيمانية.