قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف العاشر: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء للغيبة؛ وفاعله إما (الذين كفروا) أو من يسمع. وقرأ الباقون (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب): ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء للخطاب موجه للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل مخاطب.
قرأ الجمهور: ﴿قُتِلُوا﴾ بضم القاف وكسر التاء مخففاً، وقرأ ابن عامر بكسر التاء وتشديدها (قُتِّلُوا) للمبالغة والتكثير، ونصب ﴿أَمْوَاتًا﴾ مفعولاً ثانياً لـ (تحسبن) أو مفعولاً أول و(الذين) مفعول أول (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥٠؛ التيسير، ص٩٢).
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزلت في شهداء أحد العظام (حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وعبد الله بن جبير، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وغيرهم) لبيان منزلتهم الخالدة وتطمين المسلمين على مآلهم الرفيع.
أخرج مسلم في صحيحه (كتاب الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله، رقم: ١٨٨٧)مصدر غير محددحديث رقم ١٨٨٧ والترمذي (رقم: ٣٠١١)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠١١ وأحمد (رقم: ٢٣٨١)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣٨١ عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟! ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يُسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى! فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكوا".
وأخرج الحاكم في المستدرك (ج٢، ص٢٩٨)مصدر غير محدد٢/٢٩٨ وصححه ووافقه الذهبي عن جابر بن عبد الله قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: "يا جابر، ما لي أراك منكسراً؟ قلت: يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالاً وديناً، قال: أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وكلّم أباك كفاحاً (أي مواجهة بلا حجاب)، فقال: يا عبدي تمنّ عليّ أُعطك، قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية... فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا...﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لا تحسبن
الحسبان هو الظن والتقدير؛ والنهي مؤكد بالنون الثقيلة لنفي أي توهم أو ظن بأن الشهداء عدموا أو ماتوا كبقية الأموات.
أمواتاً
الموت هو انقطاع الحياة وسلب الإحساس والعمل والرزق الدنيوي.
بل أحياء
بل حرف إضراب إبطالي، أحياء حياة برزخية حقيقية خاصة أكمل وأشرف من الحياة الدنيوية.
يُفاض عليهم من نعيم الجنة وثمارها ولذائذها الروحية والحسية في البرزخ.
وَلَا
الواو استئنافية، لا ناهية جازمة.
تَحْسَبَنَّ
فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم بلا الناهية، والفاعل مستتر تقديره أنت.
الَّذِينَ
اسم موصول مفعول به أول لتحسبن.
قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل، في سبيل الله متعلق بقتلوا، والجملة صلة الموصول.
أَمْوَاتًا
مفعول به ثانٍ لتحسبن منصوب بالفتحة.
بَلْ أَحْيَاءٌ
بل حرف إضراب إبطالي، أحياء خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هم أحياء) مرفوع بالضمة الظاهرة.
عِندَ رَبِّهِمْ
ظرف مكان متعلق بمحذوف نعت لـ (أحياء) أو بيرزقون، وربهم مضاف إليه.
يُرْزَقُونَ
مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة في محل رفع خبر ثانٍ أو نعت ثانٍ لـ أحياء (أو حال).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قمة التكريم الإلهي والبلسم الأعظم لجراح أحد؛ فلما شمت المنافقون وقالوا: (لو أطاعونا ما قتلوا)، واعتبروا مقتل سبعين من الصحابة كارثة وموتاً مجانياً وفناءً، جاء الخطاب العلوي ليمزق هذا المنطق الجاهلي من أصله؛ فأعلن أن الشهداء لم يفقدوا الحياة، بل ارتقوا إلى "الحياة الحقيقية المطلقة" في ضيافة ملك الملوك، في مقعد صدق وقناديل العرش، يأكلون من ثمار الجنة ويرزقون! فالمحزون عليهم في غفلة، والمشفق عليهم هو الذي يحتاج إلى شفقة؛ إذ لا حزن ولا موت على شهداء سبيل الله.
قد يقع إشكال حسي: نحن نرى أجساد الشهداء تخر صريعة وتدفن في التراب وتبلى، فكيف يصفهم الله بأنهم (أحياء عند ربهم يرزقون)؟
والتحقيق السني الدقيق: أن الحياة المنسوبة للشهداء ليست مجرد "بقاء الذكر الحسن والخلود المعنوي في التاريخ" كما تزعم التيارات العقلانية المادية والرمزية المحرفة، بل هي "حياة برزخية روحية حقيقية أكمل وأعلى من حياة الدنيا"؛ تفيض فيها أرواحهم المنعمة في حواصل طير خضر، ترزق وتنعم وتطير وتخاطب ربها وتتمتع بنعيم الجنة قبل يوم القيامة؛ كما ثبت بنص الحديث المتواتر في الصحيح. فأجسادهم في الأرض مؤقتاً، ولكن أرواحهم حية ناعمة مستبشرة، والقدرة الإلهية لا يعجزها أن تجعل للروح إحساساً ونعيماً يفوق ما كانت عليه في قفص الجسد الترابي (مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج٢٤، ص٣٦٣؛ الروح لابن القيم، ص٣٥؛ مفاتيح الغيب، ج٩، ص٨٠).