أجمع القراء العشرة على فتح مثل ﴿إِنَّ مَثَلَ﴾ اسماً لإن، وجر ﴿كَمَثَلِ﴾ بالكاف حرف جر ومثل مجرور متعلقان بخبر إن، ورفع ﴿فَيَكُونُ﴾ بالضمة على حكاية الحال الماضية أو الاستئناف؛ أي: فهو يكون، للدلالة على سرعة الامتثال المطلق (النشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٤١)مصدر غير محدد٢/٢٤١.
أسباب النزول وسياق الأثر:
هذه الآية هي ذروة المحاجة البرهانية في سورة آل عمران مع وفد نصارى نجران؛ حين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل رأيت إنساناً قط وُلد من غير أب؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية داحضةً لحجتهم بأوضح قياس عقلي وفطري".
أخرج ابن إسحاق في السيرة، وابن جرير الطبري (ج٥، ص٤٢٥)مصدر غير محدد٥/٤٢٥ وابن أبي حاتم والواحدي في أسباب النزول (ص١٠٣)مصدر غير محدد١٠٣ عن ابن عباس والزهري ومحمد بن جعفر بن الزبير قالوا: "قدم وفد نجران، وكان فيهم العاقب والسيد وأبو حارثة، فناظروا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى، فقالوا: ما لك تشتم صاحبنا؟ قال: وما أقول؟ قالوا: تقول إنه عبد الله! فقال رسول الله: أجل، هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟! فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المثل
الشبه والنظير، والحال والصفة العجيبة الشأن.
عند الله
أي في تقديره وحكمه وعلمه وقضائه النافذ.
كمثل آدم
قياس نظير على نظير هو أعجب منه وأبلغ في خرق العادة؛ فآدم خلق من غير أب ولا أم، وعيسى خلق من غير أب فقط.
خلقه من تراب
التقدير والتشكيل للجرم الآدمي من أصل الطين والتراب اليابس.
ثم قال له كن فيكون
الأمر التكويني الإلهي، و"ثم" هنا للتراخي الرتبي الدال على تباعد ما بين الصورتين: صورة التراب الميت الهامد، وصورة الإنسان الحي الناطق السميع البصير.
إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ
إن حرف توكيد ونصب، مثل اسمها منصوب بالفتحة، وعيسى مضاف إليه مجرور بفتحة مقدرة لمنعه من الصرف.
عِندَ اللَّهِ
عند ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف حال من مثل أو من اسم إن، ولفظ الجلالة مضاف إليه.
كَمَثَلِ آدَمَ
الكاف حرف جر، مثل اسم مجرور، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر إن، وآدم مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ
جملة فعلية في محل نصب حال من آدم، أو تفسيرية للمثل لا محل لها، خلقه فعل ومفعول به والفاعل مستتر تقديره هو، ومن تراب متعلقان بخلقه.
ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ
ثم حرف عطف للتراخي الرتبي، قال فعل ماض، وله متعلقان بقال، كن فعل أمر تام وفاعله مستتر تقديره أنت مقول القول، فيكون الفاء عاطفة أو استئنافية، ويكون فعل مضارع تام فاعله ضمير مستتر تقديره هو، وجاء بصيغة المضارع لحكاية الحال العجيبة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعجاز منطقي وبرهاني باهر: لما كان تعلق النصارى في تأليه عيسى ناشئاً عن استغراب خلقه من غير أب بشري، جاء هذا النظم القرآني ليضرب لهم مثلاً بآدم عليه السلام الذي يقرون جميعاً بأنه مخلوق بشر مجرد من الألوهية، مع أنه خُلق بلا أب ولا أم! فإذا كان خلو الكائن من الأب البشري موجباً للألوهية، لكان آدم أولى بالألوهية من عيسى؛ لأن آدم عدم الأصلين معاً! فلما أجمع العقلاء على أن آدم عبد مخلوق بالرغم من خلقه العجيب، لزمهم بالضرورة العقلية والمنطقية أن يقروا بأن عيسى عبد مخلوق بطريق الأولى. وهذا يسمى في علم الجدل والمناظرة بـ "قياس الأولى" و"إلزام الخصم بما يقر به".
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة الفلاسفة والملاحدة حول التناقض الزمني في قوله "قال له كن فيكون" بعد "خلقه من تراب":
قال المشككون: إذا كان قد خلقه من تراب فكيف يقول له بعد ذلك "كن"؟ والقول للشيء لا يكون إلا قبل خلقه أو حال عدمه!
المحاكمة العقلية والتفنيد الصارم:
١. الخلق الأول ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ هو التقدير والتصوير لهيكل الجسد الطيني، وكان جسداً لا روح فيه ولا حياة.
٢. القول التكويني ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن﴾ هو نفخ الروح وإحلال الحياة في ذلك الجسد؛ فكان التراخي بـ "ثم" تراخياً حقيقياً بين طور الطينية الهامدة وطور الإنسانية الحية الكاملة.
٣. في لغة العرب يقع القول على الشيء المعدوم الذي قُدر إيجاده، أو على الشيء الحاضر الذي يُنقل من طور إلى طور أعلى منه؛ فكان الأمر "كن" إيذاناً بانقلاب المادة الميتة إلى روح وعقل وحركة (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ج٤، ص٣٣٠؛ تفسير ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج٣، ص٢٦٢).
التشبيه التمثيلي في ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾؛ لنقل العقل من المجهول المتنازع فيه إلى المعلوم المسلم به، وهو أعلى مراتب البلاغة الإقناعية والجدلية.
إيثار التعبير بـ ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ لنزع كل مقاييس البشر القاصرة؛ فالبشر يقيسون القدرة بعاداتهم وأسبابهم، أما عند الله فكل شيء هين وأمره نافذ بين الكاف والنون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
استخدام الأمثلة العقلية الحية وقياس النظير لإسقاط شبهات المبطلين وإلزامهم بحجج لا يملكون لها دفعاً.
التزام الأدب والإنصاف في المناظرة؛ فقد جادل النبي صلى الله عليه وسلم وفد نجران بأهدى سبيل وأوضح بيان دون سب ولا شطط.
الوجدان الإيماني:
الاستسلام المطلق لقدرة الله الخالقة التي تبدع ما تشاء؛ فلا يعجزها أمر ولا يقف أمامها مانع، فيتوجه القلب بالعبودية للخالق المبدع العظيم.