قرأ حفص عن عاصم وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾ بالياء التحتية مضمومة على الغيبة عائداً على لفظ الجلالة؛ أي: فيوفيهم الله. وقرأ نافع وعاصم في رواية شعبة ﴿فَنُوَفِّيهِمْ﴾ بنون العظمة الإلهية، والقراءتان تدلان على أن موفي الجزاء ومنعمه هو الله الملك الحق (معجم القراءات لمختار عمر وعبد العال مكرم، ج١، ص٣٩٦)مصدر غير محدد١/٣٩٦.
أسباب النزول وسياق الأثر:
مقابلة وعد الله للمؤمنين الصادقين بوعيده للكافرين؛ لبيان كمال العدل الإلهي في معاملة عباده، وإكرام الذين ثبتوا على التوحيد ونصرة الرسل بأوفى الجزاء وأتم الثواب.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: "﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: يعطيهم جزاء إيمانهم وأعمالهم كاملاً غير مبخوس ولا منقوص، بل يزيدهم من فضله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يوفيهم
التوفية هي الإعطاء التام الكامل الوافي بلا بخس ولا اقتطاع.
أجورهم
جمع أجر، وهو الثواب المترتب على العمل، وتسميته أجراً من كرم الله وفضله؛ إذ جعل العمل الصالح كأنه عمل أوجب استحقاق الأجر منةً منه وإحساناً، لا وجوباً عليه سبحانه.
لا يحب الظالمين
نفي المحبة يقتضي البغض والمقت والعقوبة؛ فالظالمون الذين بخسوا حق الله بالشرك وبخسوا حق الرسل بالتكذيب محرومون من رحمة الله ومحبته.
الواو عاطفة، أما حرف شرط وتفصيل، الذين مبتدأ، آمنوا صلته، وعملوا الصالحات معطوف عليه.
فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ
الفاء رابطة لجواب أما، يوفيهم فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو (أو نحن على قراءة النون)، والهاء مفعول به أول، وأجورهم مفعول به ثانٍ منصوب والهاء مضاف إليه.
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
الواو استئنافية تذييلية، والله مبتدأ، لا نافية، يحب فعل مضارع فاعله هو، والظالمين مفعول به منصوب بالياء، والجملة خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
توازن قرآني معجز بين شقي القسمة في الحكم الإلهي: بدأ بعقاب الظالمين الكافرين، ثم ثنى بثواب المؤمنين العاملين للصالحات. ثم ذيّل الآية بقوله ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ لتقرير العلة المحورية: فالله يعذب الكفار لظلمهم، ويوفي المؤمنين أجورهم لعدله وإحسانه وتنزهه عن الظلم؛ فلو نقص من أجر المؤمنين لكان ذلك ظلماً، والله منزه عن الظلم ومبغض لأهله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يسمى ثواب الجنة "أجراً" مع ثبوت الحديث الصحيح "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله"؟:
المحاكمة العقلية والتوفيق المحكم بين النصوص:
الحديث الصحيح الذي رواه البخاري (رقم: ٥٦٧٣)مصدر غير محددحديث رقم ٥٦٧٣ ومسلم (رقم: ٢٨١٦)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨١٦ عن أبي هريرة رضي الله عنه: "لن يدخل أحداً منكم عملُه الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل".
الجمع الأصولي واللغوي: إن العمل الصالح سبب لدخول الجنة ونيل الدرجات، لكنه ليس ثمناً مكافئاً ومستحقاً للنعيم الأبدي؛ فنعم الله الدنيوية وحدها تستغرق سائر أعمال العبد لو حوسب بها عدلاً. فالأجر المذكور في القرآن ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ هو أجر تشريفي وفضل إلهي كريم وعد الله به عباده تفضلاً منه وإحساناً، لا أن العبد أوجب على الله شيئاً بمجرد حركته وطاعته (شرح النووي على صحيح مسلم، دار إحياء التراث، ج١٧، ص١٥٨؛ الفتاوى لابن تيمية، ج٨، ص٧٠).