وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح ياء وخاء وتشديد صاد ﴿يَخْتَصُّ﴾ مضارع افتعل من الخصوصية، وكسر تاء ﴿بِرَحْمَتِهِ﴾، ورفع ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ بالواو لأنه من الأسماء الخمسة خبراً للمبتدأ (إعراب القرآن للنحاس، ج١، ص٣٦٥)مصدر غير محدد١/٣٦٥.
أسباب النزول وسياق الأثر:
توكيد ختامي حاسم للآية السابقة؛ لتقرير أن النبوة والرسالة والإيمان والقرآن إنما هي رحمة خاصة يختص الله بها من يشاء من عباده بمحض فضله واختياره وحكمته، رداً على اعتراض اليهود على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن على العرب.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد قالا: "﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾ يعني: يختص بنبوته ورسالته وإسلامه من يشاء من خلقه، اختص محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته بهذا الخير العظيم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يختص
الاختصاص هو إفراد الشيء بالشيء وتخصيصه بالخير والفضل دون غيره، مأخوذ من الخاصّة ضد العامّة.
برحمته
الرحمة هنا تشمل النبوة والرسالة والوحي والتوفيق للإيمان؛ فالنبوة أعظم رحمات الله بالبشر: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
ذو الفضل العظيم
ذو بمعنى صاحب، والفضل العظيم هو العطاء اللامتناهي الذي يعجز الخلق عن إدراك حدوده وكماله.
يَخْتَصُّ
فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على لفظ الجلالة.
بِرَحْمَتِهِ
جار ومجرور متعلقان بيختص، والهاء مضاف إليه.
مَن يَشَاءُ
من اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به ليختص، وجملة يشاء صلة الموصول والعائد محذوف تقديره (يشاؤه).
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
الواو استئنافية تذييلية، الله مبتدأ، ذو خبر مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الخمسة وهو مضاف، والفضل مضاف إليه مجرور، والعظيم نعت للفضل مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تعليل وتتويج لقاعدة العدل الإلهي في الآية السابقة: لما قرر أن الفضل بيد الله، أكد هنا أن تصرف الله في فضله ليس عبثاً ولا خاضعاً لأهواء الأمم، بل هو اختصاص مبني على الرحمة والحكمة والمشيئة النافذة، فلا حجة لحاسد ولا اعتراض لمعترض أمام صاحب الفضل العظيم سبحانه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: هل مشيئة الله بالاختصاص مشيئة مجردة تعسفية حاشا لله، أم هي مقرونة بكمال العدل والحكمة؟:
المحاكمة العقلية والقواعد السلفية:
كل ما ورد في القرآن من تقييد الأمور بالمشيئة ﴿مَن يَشَاءُ﴾ فهو مقرون في أصول الشريعة بالعلم والحكمة ووضع الشيء في موضعه اللائق به؛ فالله لا يختص برحمته ورسالته إلا من يعلم سبحانه أنه أزكى القلوب وأطهر النفوس وأقدرها على أداء الأمانة والصبر في سبيله، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. فالمشيئة تابعة للحكمة التامة المنزهة عن الظلم والعبث (شفاء العليل لابن القيم، ص١٢٠؛ منهاج السنة النبوية، ج٢، ص٣١٠).