وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على إسكان نون ﴿إِن يَنصُرْكُمُ﴾ مع الإخفاء، وجزم الراء بالسكون وحركت بالضم للتخلص من التقاء الساكنين مع لام الجلالة، وقرأ الجميع بنصب ﴿غَالِبَ﴾ اسم لا النافية للجنس مبنياً على الفتح، وجزم لام ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ الساكنة بعد الفاء للأمر وحركت اللام الأخيرة بالكسر للساكنين (التيسير، ص٩١)مصدر غير محدد٩١.
سياق الأثر:
تقرير عقدي صريح بأن النصر والخذلان بيد الله وحده، لا يملكهما أحد سواه؛ فإذا كتب الله لأمة النصر فلن تستطيع كل قوى الأرض مجتمعة أن تغلبها، وإذا خذلها الله بسبب ذنوبها وتفريطها فلن ينصرها أحد كائناً من كان.
أخرج أحمد في المسند (رقم: ٢٦٦٩)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٦٩ والترمذي (رقم: ٢٥١٦)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥١٦ وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك... واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف".
ترك العون والتأييد وإسلام العبد إلى نفسه وإلى أعدائه؛ مأخوذ من خذلت الماشية إذا تخلفت عن صواحبها.
من بعده
أي من بعد خذلانه لكم، أو سواه سبحانه.
إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ
إن شرطية جازمة، ينصركم مضارع مجزوم فعل الشرط، الكاف مفعول به، الله فاعل مرفوع بالضمة.
فَلَا غَالِبَ لَكُمْ
الفاء رابطة لجواب الشرط، لا نافية للجنس تعمل عمل إن، غالب اسمها مبني على الفتح في محل نصب، لكم شبه جملة خبر لا، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
وَإِن يَخْذُلْكُمْ
معطوف على الشرط الأول، يخذلكم مضارع مجزوم فعل الشرط والكاف مفعول، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ
الفاء رابطة، من اسم استفهام إنكاري في محل رفع مبتدأ، ذا اسم إشارة خبر (أو من ذا كلمة واحدة مبتدأ)، الذي اسم موصول نعت لذا أو بدل، ينصركم صلة الموصول، من بعده متعلق بينصركم، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
الواو استئنافية، على الله متعلق بيتوكل وقدم للحصر، الفاء رابطة أو عاطفة، اللام لام الأمر، يتوكل مضارع مجزوم بلام الأمر، المؤمنون فاعل مرفوع بالواو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية لتتوج قاعدة التوكل التي خُتمت بها الآية السابقة: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، فكشفت عن البرهان العقلي والوجودي لوجوب التوكل على الله؛ فالنصر المطلق الحقيقي ليس رهيناً بعدد ولا عتاد في ذاته، وإنما هو منحة من الله تتنزل بلزوم أمره وطاعته: فإن نصركم لم تضركم قلة العدد كما في بدر، وإن خذلكم لم تنفعكم كثرة العتاد ووجود النبي بينكم كما في أحد وحنين! فبين أن التوكل على الله هو الحصن المنيع الذي لا يخيب قاصده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة إلغاء الأسباب المادية بدعوى التوكل والنصر الإلهي:
قد يزعم جاهل أو متواكل أن قوله ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ يسوغ ترك الإعداد والأخذ بأسباب القوة والتخطيط الحربي!
والرد الشرعي والعقلي الصارم: أن الأخذ بالأسباب مأمور به شرعاً بنص القرآن: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر بين درعين يوم أحد ورتب الرماة وأخذ بالأسباب كاملة. فالشرع يوجب "الأخذ بالأسباب بالجوارح، مع عدم التعلق بها بالقلوب"، بل يكون التوكل والاعتماد على مسبب الأسباب وحده سبحانه. فمن ترك الأسباب طعن في الشرع والسنن، ومن اعتمد على الأسباب وحدها طعن في التوحيد واليقين (مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج٨، ص١٦٩؛ مدارج السالكين، ج٢، ص١١٥).
النفي المطلق بـ (لا) النافية للجنس: ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾؛ يفيد استغراق النفي لكل أنواع الغلبة؛ فلا غالب عسكري ولا سياسي ولا فكري يقدر على قهر من نصره الله.
الاستفهام الإنكاري التعجيزي: ﴿فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ﴾؛ قصف عقلي يبين الإفلاس التام لمن خذله الله؛ فلا حليف ولا درع ولا سلاح يمكن أن يجير مخذولاً سلب الله عنه معونته.
تقديم المعمول الدال على الحصر: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ فلا يجوز التوكل ولا تفويض القلوب إلا على الحي القيوم الذي بيده مقاليد الأمور.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ربط النصر والتمكين برضا الله تعالى وحده؛ فمعيار القوة ليس بالإمكانات المادية وحدها، بل بالصلة بالله واستحقاق نصره.
الخوف التام من "الخذلان الإلهي"؛ وأعظم الخذلان أن يُخلّى بين العبد وبين نفسه وهواه وذنوبه.