قرأ حمزة وحده: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء للخطاب؛ والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، و(الذين) مفعول به أول، و(هو) ضمير فصل أو مبتدأ، و(خيراً) مفعول به ثانٍ. وقرأ الباقون (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف العاشر): ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء للغيبة؛ و(الذين) فاعل يحسبن، والمفعول الأول محذوف تقديره (بخلهم)، و(هو خيراً) المفعول الثاني (النشر في القراءات العشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٥٣؛ التيسير للداني، ص٩٢).
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ بتاء الخطاب، وقرأ نافع وأبو جعفر ويعقوب: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ بياء الغيبة (حجة القراءات لابن خالويه، ص١١٦)مصدر غير محدد١١٦.
أسباب النزول وسياق الأثر:
وعيد شديد لمن يبخل بماله أو بجهده في سبيل الله أو يمنع حق الله في الزكاة والنفقات الواجبة في مواطن الشدائد والجهاد؛ ونزلت في مانعي الزكاة، وقيل: نزلت في أحبار يهود الذين بخلوا ببيان صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة وكتموها حرصاً على الرياسة والأموال.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، رقم: ١٤٠٣)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٠٣ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته، مُثّل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع، له زبيبتان، يطوّقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه (يعني بشدقيه) ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ...﴾".
وأخرج الإمام أحمد في المسند (رقم: ٣٨١٦)مصدر غير محددحديث رقم ٣٨١٦ والنسائي (رقم: ٢٤٤١)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤٤١ وابن ماجه وصححه الحاكم والذهبي عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جُعل له طوقاً في عنقه يوم القيامة حية شجاعاً أقرع ينقر رأسه حتى يقضي الله بين الناس".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
البخل
منع الواجب بذله من المال أو الحقوق؛ وضده الجود والكرم والإيثار.
سيُطوّقون
من الطَّوق؛ وهو ما يجعل في العنق محيطاً به؛ أي يجعل الله مالهم الذي كنزوه وبخلوا به طوقاً من نار أو حية عظيمة تطوق أعناقهم وتخنقهم جزاء وفاقاً.
ميراث السماوات والأرض
بقاء الملك الحقيقي التام لله وحده بعد فناء جميع الخلائق؛ مأخوذ من الإرث وهو انتقال المال بعد موت مالكه إلى الوارث.
وَلَا يَحْسَبَنَّ
لا ناهية جازمة، يحسبن مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم.
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
الذين اسم موصول فاعل (أو مفعول أول على قراءة التاء)، يبخلون صلة الموصول.
بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ
بما متعلق بيبخلون، آتاهم ماض ومفعول أول، الله فاعل، من فضله حال. والمفعول الأول ليحسبن محذوف تقديره (بخلهم).
هُوَ خَيْرًا لَّهُم
هو ضمير فصل لا محل له (أو مبتدأ)، خيراً مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، لهم متعلق بخيراً.
بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ
بل حرف إضراب إبطالي، هو ضمير منفصل مبتدأ، شر خبره مرفوع، لهم متعلق بشر.
ما موصولة مفعول به ثانٍ ليطوقون، بخلوا صلتها، به متعلق بـ بخلوا.
يَوْمَ الْقِيَامَةِ
ظرف زمان متعلق بيطوقون.
وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
الواو حالية أو استئنافية، لله خبر مقدم، ميراث مبتدأ مؤخر وهو مضاف والسماوات مضاف إليه.
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
جملة تذييلية مؤكدة بالخبرة والإحاطة الإلهية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء هذا النص بعد الحديث عن الجهاد في حمراء الأسد وبدر الموعد وبذل النفوس؛ لأن الجهاد شقيقان: جهاد بالنفس وجهاد بالمال: ﴿جَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾. فلما بيّن عاقبة من يضن بنفسه ويجبن عن القتال، بيّن هنا العاقبة المروعة لمن يضن بماله ويبخل بالنفقة في سبيل الله؛ فكلاهما تعلق بحطام فانٍ، وكلاهما انقلب عليه ماله ونفسه شراً وخزياً في الآخرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
المحاكمة العقلية لوهم البخيل في ادخار المال:
يزن القرآن تصرف البخيل بميزان العقل الاقتصادي المجرد: البخيل يظن أن إمساك المال وعدم إخراج زكاته أو الإنفاق منه في سبيل الله يحفظ ثروته ويزيد غناه: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾. ولكن القرآن يثبت بالحجة العقلية القاطعة نقيض ذلك:
أولاً: المال في الأصل ليس ملكاً ذاتياً للبخيل، وإنما هو مال الله وفضله آتاه إياه ابتلاءً: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾.
ثانياً: هذا المال الفاني سيتركه البخيل رغماً عنه بالموت، ويرجع الملك كله للوارث الحقيقي وهو الله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
ثالثاً: ما بخل به يتحول في الآخرة إلى طوق خانق من العذاب والنار يخنقه به ربه؛ فصار ما ظنه وسيلة للأمان سبباً لهلاكه وخزيه وعذابه (مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص١١٥؛ مجموع فتاوى ابن تيمية، ج١٤، ص٢١٥).
الإضراب الإبطالي بـ ﴿بَلْ﴾: قلب وتصحيح حاسم للتصور البشري المنكوس؛ فاستبدل زعم (هو خير لهم) بالتقرير الصادم: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ﴾.
التجسيد المشهدي المرعب في ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾: نقل المعنى التجريدي للبخل إلى صورة حسية مرعبة؛ حيث ينقلب ذلك الذهب والفضة والمال المكتنز إلى ثعبان سام أقرع يطوق عنقه وينهش شدقيه، ليعاقب العضو الذي تكبر به واستعلى به في الدنيا وهو العنق.
الاستعارة في (الميراث): ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ تذكيراً بزوال ملاك الأرض وأن الكل راحلون ويبقى الحي القيوم وارث الخلائق أجمعين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب المبادرة بإخراج الزكاة المفروضة والنفقات الواجبة في أوقاتها؛ والحذر الشديد من شح النفوس.
استشعار أن المال مال الله والعبد مستخلف فيه؛ فالإنفاق شكر للنعمة، والبخل جحود واستجلاب للعذاب.