أجمع القراء العشرة على كسر همزة ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، وفتح تاء ﴿تَابُوا﴾ وواوها، وكسر كاف ﴿ذَٰلِكَ﴾، وعطف ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ بالفتح، وكسر همزة ﴿فَإِنَّ﴾ رابطة لجواب الاستثناء أو مفرعة عليه، ورفع ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ بالضمة خبرين لأن (النشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٤٦)مصدر غير محدد٢/٢٤٦.
أسباب النزول وسياق الأثر:
فتح باب الأمل والرجاء والرحمة أمام المرتدين والنادمين، وبيان أن الله لا يقنط عباده من رحمته متى صدقوا في توبتهم وأصلحوا ما أفسدوا.
نزلت في الحارث بن سويد الأنصاري لما ندم وأرسل يسأل عن توبته؛ فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتاب وحسنت توبته ورجع إلى صفوف المؤمنين وجاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات شهيداً (تفسير ابن جرير الطبري، ج٥، ص٥٧٠)مصدر غير محدد٥/٥٧٠.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
إلا
أداة استثناء تفتح باب النجاة من الوعيد السابق.
تابوا
التوبة هي الرجوع والندم على ما فرط، والإقلاع التام عن الكفر والمعصية.
من بعد ذلك
بعد الردة والظلم والشناعة التي ارتكبوها؛ للدلالة على سعة رحمة الله التي تمحو أعظم الجرائم متى صدقت التوبة.
وأصلحوا
قيد جوهري يبرهن على صدق التوبة؛ وهو إصلاح ما أفسدوه من الشبهات، والعمل الصالح، والتمسك بالسنة.
اسم موصول مبني في محل نصب على الاستثناء من الضمير في "عليهم" أو "خالدين" (أو في محل رفع على البدلية).
تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ
تابوا فعل وفاعل صلة الموصول، ومن بعد متعلقان بتابوا، وذلك مضاف إليه.
وَأَصْلَحُوا
معطوف على تابوا.
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
الفاء تعليلية أو رابطة، إن واسمها، وغفور خبر أول، ورحيم خبر ثانٍ مرفوعان، والجملة تعليل لقبول توبتهم ومغفرة ما سلف منهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
توازن قرآني فائق الروعة بين الترهيب الصارم والترغيب الرحيم: بعد أن صبت الآيات السابقة سياط اللعنة والعذاب الأبدي والحرمان من التخفيف والإنظار على رؤوس المرتدين المعاندين، جاء هذا الاستثناء الإلهي كغيث سحيب يحيي القلوب الميتة؛ ليعلن أن باب التوبة مفتوح على مصراعيه ما دامت الروح في الجسد، وأن الله لا يتعاظمه ذنب أن يغفره للتائب النادم المصلح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة اشتراط "الإصلاح" مع التوبة في قوله "وأصلحوا":
لماذا قرن القرآن قبول توبة المرتد والكافر بالإصلاح؟
المحاكمة العقلية والفقهية:
التوبة من الذنوب المجردة تكفي فيها الندم والإقلاع والعزم، أما التوبة من البدع والردة والضلالات التي بثت الشبهات في المجتمع وأضلت الناس فلا تكتمل حقيقتها إلا بـ "الإصلاح والبيان"؛ بأن يعلن التائب براءته من الضلال، ويبين الحق الذي كتمه، ويصلح المفاسد التي تسبب فيها، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٠]. وهذا منتهى الحكمة والعدل في حماية المجتمع من عبث المتلونين (مدارج السالكين لابن القيم، ج١، ص٣٥٥؛ تفسير المنار لرشيد رضا، ج٣، ص٣٦٠).