قرأ أبو عمرو وحمزة وشعبة عن عاصم وأبو جعفر بإسكان هاء ﴿يُؤَدِّهْ إِلَيْكَ﴾ في الموضعين جزماً وحذفت الياء للجزم وسكنت الهاء تخفيفاً، وقرأ قالون والكسائي ويعقوب بكسر الهاء بلا صلة (يؤدِهِ إليك)، وقرأ ورش وابن كثير وابن عامر وحفص بكسر الهاء مع الصلة والإشباع بحركة الياء (يؤدِّيهي إليك)، وكلها لغات فصيحة في هاء الكناية إذا وقعت بعد حرف مجزوم (الكشف لمكي بن أبي طالب، ج١، ص٣٥٠)مصدر غير محدد١/٣٥٠.
﴿مَا دُمْتَ﴾ بضم الدال لجميع العشرة، من دام يدوم.
﴿الْأُمِّيِّينَ﴾ بضم الهمزة وتشديد الميم مكسورة، وهم العرب الذين لا كتاب عندهم.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزلت الآية في بيان تفاوت أهل الكتاب في أداء الأمانات المالية والأخلاقية:
فالصنف الأول: كعبد الله بن سلام رضي الله عنه (قبل إسلامه)، استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية من ذهب (قنطاراً) فأداها إليه كاملة لم ينقص منها حبة.
والصنف الثاني: كفنخاص بن عازوراء وغيره من أحبار اليهود، استودعه رجل من قريش ديناراً فجحده وخانه وقال: ما لك عندي شيء!
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (ج٥، ص٥٠٥)مصدر غير محدد٥/٥٠٥ عن سعيد بن جبير قال: "لما قال أهل الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل؛ أي: لا حرج علينا في أموال العرب لأنهم مشركون ولا كتاب لهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذب أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة؛ فإنها مؤداة إلى البر والفاجر".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
القنطار
المال الجزيل العظيم المقدار، وقيل هو ملء مسك ثور ذهباً، أو مائة رطل، واستعماله هنا لتمثيل أقصى درجات الكثرة المالية.
الدينار
القطعة المضروبة من الذهب الخالص، واستعماله هنا لتمثيل غاية القلة.
قائماً
ملازماً له بالمطالبة والملازمة والمحاكمة والتقاضي الشديد.
الأميين
جمع أمي، والمراد بهم مشركو العرب الذين لم ينزل عليهم كتاب سماوي سابق.
ليس علينا في الأميين سبيل
السبيل هو الحرج والإثم والمؤاخذة؛ أي: لا عقاب علينا في التوراة في أكل أموال العرب واستحلال غصبهم وخيانتهم.
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ
الواو استئنافية، من أهل جار ومجرور خبر مقدم، والكتاب مضاف إليه.
مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ
من اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر، إن شرطية، تأمنه فعل الشرط مجزوم والهاء مفعول به، بقنطار متعلقان بتأمنه، يؤده جواب الشرط مجزوم بحذف حرف العلة، والهاء مفعول به، وإليك متعلقان بيؤده، وجملة الشرط وجوابه صلة الموصول.
معطوف على الجملة السابقة، لا نافية، يؤده جواب الشرط.
إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا
إلا أداة استثناء، ما مصدرية ظرفية، دمت فعل ماض ناقص والتاء اسمه، وعليه متعلقان بقائماً، وقائماً خبر دمت، والمصدر المؤول في محل نصب على الظرفية الزمانية أي: إلا مدة دوام قيامك وملازمتك له.
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا
ذلك مبتدأ، والباء حرف جر، وأن واسمها، وجملة قالوا خبرها، والمصدر المؤول في محل جر بالباء خبر المبتدأ (ذلك).
لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ
ليس فعل ماض ناقص، وعلينا خبرها مقدم، وفي الأميين حال، وسبيل اسمها مؤخر، والجملة مقول القول.
الواو حالية أو عاطفة، يقولون مضارع مرفوع، على الله متعلقان بيقولون، الكذب مفعول به، والواو حالية وأنتم تعلمون جملة اسمية في محل نصب حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إنصاف قرآني مذهل لا نظير له في كتب الأديان: القرآن وهو في أوج المناظرة والمحاجة العقائدية الساخنة مع أهل الكتاب، لا يغمطهم حقهم، ولا يرميهم جميعاً بالخيانة المالية في سلة واحدة، بل يقسمهم بدقة وموضوعية تامة: فمنهم الأمين الصادق الذي يؤدي القنطار، ومنهم الخائن اللئيم الذي يجحد الدينار. وهذا يعلم الأمة المسلمة ميزان العدل المطلق؛ فلا يحملنهم شنآن قوم على ألا يعدلوا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة العنصرية الدينية واستحلال أموال المخالفين (عقيدة الاستعلاء عند اليهود):
زعمت الشريعة التلمودية المحرفة أن أموال غير اليهودي مباحة لليهودي، ولا حرمة لمال الأممي، وأسندوا هذا الإفك إلى نصوص التوراة!
المحاكمة العقلية وتفنيد الشبهة:
١. بيّن القرآن أن هذا الزعم محض كذب وافتراء على الله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؛ فالشرائع الإلهية كلها نزلت بحفظ الضرورات الخمس وفي طليعتها حفظ الأموال وتحريم الخيانة والغصب.
٢. العدل والأمانة في دين الله قيمتان كليتان لا تسقطان باختلاف الدين ولا العرق؛ فالأمانة واجبة الأداء للبر والفاجر والمسلم والكافر، وغدر المعاهد وسلب ماله محرم شرعاً ويوجب مقاسمة الخائن إثمه يوم القيامة.
٣. هذا يكشف الفارق الجوهري بين شريعة الإسلام الحنيف التي تلزم أتباعها بالعدل المطلق مع البشر كافة، وبين النزعات العنصرية التي تحلل الغدر بالمخالفين وتراه ديناً وقربة (أحكام القرآن للجصاص، دار إحياء التراث، ج٢، ص٢١٥؛ تفسير ابن كثير، ج٢، ص٦٥).
المقابلة البلاغية والاعتبار بالمفهوم: قابل بين ﴿بِقِنطَارٍ﴾ (قمة الكثرة) و﴿بِدِينَارٍ﴾ (غاية القلة)؛ فمن أدى القنطار فأداء الدينار من باب أولى، ومن خان في الدينار فخيانته للقنطار متحققة قطعاً، وهو أبلغ درجات الإيجاز بالإشارة لمفهوم الموافقة.
التعبير بـ ﴿قَائِمًا﴾ لتصوير مشهد العنت والملازمة الشديدة والمطالبة الملحة التي لا تترك للخائن مفراً من الأداء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
الإنصاف مع الخصوم؛ فلا يجوز تعميم الأحكام الجائرة على أمة أو جماعة بأسرها لمجرد ضلال قادتها.
قدسية الأمانة المالية؛ فالأمانة ميزان دين المرء ورجولته، ولا إيمان لمن لا أمانة له.
الوجدان الإيماني:
البراءة من الكذب على الله؛ فالمؤمن يخشى أن ينسب إلى دين الله حكماً لم ينزله أو يسقط واجباً طمعاً في دنيا زائلة.