أجمع القراء العشرة على كسر نون ﴿لَٰكِنِ﴾ المخففة لالتقاء الساكنين، ونصب ﴿نُزُلًا﴾ على الحالية أو المفعول المطلق بفعل محذوف، وكسر راء ﴿لِّلْأَبْرَارِ﴾ (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥٧؛ التيسير، ص٩٤).
سياق الأثر:
مقابلة ربانية مضيئة لما تقدم من عذاب الكافرين؛ ببيان النعيم الأبدي المقيم الذي أعده الله للمتقين الصالحين، وأن ما عند الله من الكرامة والخلود خير للأبرار من كل ما يتقلّب فيه الكفار في بلاد الدنيا.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص١٠٣٠)مصدر غير محدد٥/١٠٣٠ عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها؛ لئن كانت برة فما عند الله خير للأبرار، ولئن كانت فاجرة فلقد قال الله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لكن
حرف استدراك ينفي توهم الشمول في الخسارة، ويثبت الفوز للمتقين.
اتقوا ربهم
لازموا تقواه بامتثال الأوامر واجتناب النواهي.
نُزُلاً
النُّزُل هو ما يُعد للضيف المكرم من طعام وضيافة وكرامة أول قدومه؛ واستعماله هنا دلالة على فيض الإكرام الرباني.
وما عند الله خير للأبرار
خيرية مطلقة عامة محيطة بكل أنواع النعيم والرضوان والقرب من الحق.
لَٰكِنِ
حرف استدراك مخفف مهمل لا عمل له.
الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ
الذين اسم موصول مبتدأ، اتقوا ماض وفاعله وربهم مفعول به، والجملة صلة الموصول.
لَهُمْ جَنَّاتٌ
لهم خبر مقدم، جنات مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ (الذين).
تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
جملة فعلية في محل رفع نعت لـ (جنات).
خَالِدِينَ فِيهَا
حال منصوبة بالياء من الضمير في لهم.
نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ
نزلاً حال منصوبة من جنات (أو مفعول به لفعل محذوف تقديره أعد لهم نزلاً)، من عند الله متعلق بمحذوف نعت لنزلاً.
وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ
الواو استئنافية، ما موصولية مبتدأ، عند ظرف متعلق بمحذوف صلة ما، ولفظ الجلالة مضاف إليه، خير خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، للأبرار متعلق بخير.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مقابلة إعجازية تامة بين مشهدين:
المشهد الأول للكفار: تقلب زائل، ثم متاع قليل، ثم مأوى جهنم وبئس المهاد.
المشهد الثاني للمتقين: تقوى وثبات، ثم جنات تجري من تحتها الأنهار، وخلود لا يزول، ونُزُل وضيافة ربانية، وما عند الله خير مطلق للأبرار! فشتان بين المأويين وبين المنزلتين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
البرهان العقلي على فضل ما عند الله على متاع الأرض:
تقرر الآية قاعدة الاختيار العقلي الرشيد: لو خير عاقل بين متعة سريعة زائلة محفوفة بالمخاطر والأمراض يعقبها العذاب، وبين كرامة مخلدة ونعيم مقيم دائم لا انقطاع له وضيافة عند ملك الملوك، لما تردد طرفة عين في اختيار ما عند الله! فالعقل السليم يوجب تفضيل الباقي على الفاني (تفسير الرازي، ج٩، ص١٧٢)مصدر غير محدد٩/١٧٢.
الاستدراك بـ ﴿لَٰكِنِ﴾: لمنع تسرب اليأس والغم إلى صدور المؤمنين عند سماع وعيد الكفار وتقلبهم.
التعبير بـ ﴿نُزُلًا﴾: استعارة تمثيلية لضيافة الجنة؛ فالنزل في العرف البشري هو أول ما يقدم للضيف قبل استقراره وتجهيز القرى الأكبر له؛ فكأن كل جنات النعيم ليست إلا مجرد "ضيافة أولى" يعقبها من الفضل ورؤية وجه الله ورضوانه ما لا يحيط به وصف!
صيغة التفضيل (خير): خيرية قطعية تسقط كل مقارنة مع نعيم الدنيا الفاني.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ملازمة التقوى في السر والعلن؛ فهي مفتاح الفردوس وجواز النجاة.
الشوق إلى لقاء الله والظفر بكرامته وضيافته؛ فالموت للمؤمن البار بوابة العبور إلى دار الكرامة.