وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
قرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر: ﴿تَغْشَىٰ﴾ بالتاء لتأنيث (طائفة) أو (أمنة)، وقرأ الباقون: ﴿يَغْشَىٰ﴾ بالياء لتذكير الفاعل وهو (نعاساً).
قرأ أبو عمرو ويعقوب: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ برفع اللام في ﴿كُلُّهُ﴾ على الابتداء ولله خبره والجملة خبر إنّ، وقرأ الباقون: ﴿كُلَّهُ﴾ بنصب اللام توكيداً لـ (الأمر) منصوباً، وكلتا القراءتين متواترتان عظيمتان في الدلالة العقدية (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٤٧؛ التيسير، ص٩١).
أسباب النزول وسياق الأثر:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب غزوة أحد، رقم: ٤٠٦٨)مصدر غير محددحديث رقم ٤٠٦٨ عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: "كنت فيمن غشيه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مراراً؛ يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه، والنعاس في الحرب أمنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان".
وأخرج الترمذي في سننه (رقم: ٣٠٠٨)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٠٨ وحسنه عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: "لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا أنزل الله علينا النوم، فما منا رجل إلا ذقنه في صدره، فوالله إني لأسمع كلام معتب بن قشير أخي بني عمرو بن عوف ما أسمعه إلا كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا، فأنزل الله تبارك وتعالى قوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أمنة
أمناً واطمئناناً وسكينة تزيل الرعب والاضطراب من الصدور.
نعاساً
النعاس هو النوم الخفيف في الرأس قبل أن يتمكن من القلب ويثقل البدن؛ واستنزاله في ساحة المعركة آية إلهية خارقة للعادة تدل على منتهى السكينة.
طائفة قد أهمتهم أنفسهم
طائفة المنافقين والمريبين؛ أهمتهم أنفسهم أي ضاقت عليهم صدورهم واقتصر همهم وجزعهم على خلاص أبدانهم لا يهمهم نصر الدين ولا نجاة النبي صلى الله عليه وسلم.
ظن الجاهلية
الظن الفاسد الكفري؛ وهو ظن أن الله لا ينصر رسوله وأن أمر الإسلام قد انقضى واضمحل، كظن أهل الجاهلية والشرك.
المضاجع
مصارعهم ومواضع هلاكهم وموتهم، جمع مضجع.
ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم
ثم حرف عطف وتراخٍ، أنزل: ماض وفاعله مستتر، وعليكم متعلق بأنزل.
مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا
من بعد متعلق بأنزل، أمنة مفعول به لأنزل، نعاساً بدل من أمنة أو نعت لها أو مفعول به وأمنة حال مقدّمة.
يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ
جملة فعلية نعت لـ (نعاساً)، وطائفة مفعول به، ومنكم متعلق بمحذوف نعت لطائفة.
وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ
الواو حالية أو استئنافية، طائفة مبتدأ سوغ الابتداء به وصفه بما بعده، قد حرف تحقيق، أهمتهم أنفسهم جملة ماض ومفعول وفاعل في محل رفع خبر المبتدأ.
لو شرطية امتناع لامتناع، كنتم فعل الشرط واسمه، في بيوتكم خبره، اللام واقعة في جواب لو، برز ماض، الذين فاعل، كتب فعل مبني للمجهول، القتل نائب فاعل، إلى مضاجعهم متعلق ببرز، والجملة جواب لو.
علة معطوفة على مقدر؛ أي قضى ذلك ليبرزوا وليبتلي الله، ما موصولية مفعول به.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
استئنافية، عليم بالنيات والسرائر الخفية الكامنة في الصدور.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني يقسم الجيش البشري في ساعة المحنة إلى طائفتين متمايزتين تمايزاً عقائدياً ونفسياً صارخاً:
الطائفة الأولى: طائفة الإيمان والصدق، الذين امتلأت قلوبهم يقيناً وتفويضاً لله، فأنزل الله عليهم آية السكينة الروحية فغشيهم النعاس في ساحة المعركة وتحت وطأة السيوف آمنين مطمئنين.
الطائفة الثانية: طائفة النفاق والارتياب (معتب بن قشير وأضرابه)، الذين لم يحملوا هم الدين، بل انغلقت قلوبهم على هم الأجساد الفانية ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾، فطار النوم من عيونهم وظنوا بالله ظن السوء وظنوا أن الأمر شورى وتدبير بشري بحت، فرد الله عليهم بحتمية القدر المطلق وأن الأجل مسطور لا يدفعه قعود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة العقلانية المادية في زعم المنافقين (لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا):
احتج المنافقون بالعقلانية المادية الساذجة القائمة على ربط الأسباب بالنتائج ظاهرياً: لو أن الرأي كان لنا بالبقاء في المدينة ولم نخرج إلى أحد لما أريق دم هؤلاء الشهداء.
وجاء الرد البرهاني القرآني الحاسم بتقرير "قانون القدر والآجال المحتومة": ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾؛ فالحذر لا يمنع قدراً، والموت محتوم بالزمان والمكان والسبب، ولو تحصن من كُتب عليه القتل في بروج مشيدة أو في قعر بيته لأخرجه القدر الإلهي قسراً وساقه بأسبابه التكوينية حتى يصرع في ذات الموضع الذي قُدر له أن يصرع فيه! فالفرار من الجهاد لا يطيل عمراً، والشجاعة لا تقصر أجلاً (تفسير ابن كثير، ج٢، ص١٢٥؛ مدارج السالكين، ج١، ص٢٣٠).
التنكير في ﴿أَمَنَةً نُّعَاسًا﴾: للتعظيم والتكريم؛ فالنعاس هنا نعاس إعجازي منحة وكرامة لا نعاس كسل وفتور.
التشخيص النفسي البديع: ﴿أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾؛ عبارة بلغت الغاية في تصوير الأنانية الضيقة والانحصار في حظ النفس، فالأناني المذعور لا يرى في الكون كله إلا نجاته الشخصية.
التوكيد اللفظي والمعنوي: في ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾؛ قطع لدابر الشك؛ فالقضاء والقدر والتدبير والملكوت لله وحده، ولا حظ للبشر في تصريف الأقدار إلا التسليم والامتثال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تذوق حلاوة "السكينة الإيمانية" التي يمنحها الله لأوليائه في خضم الكوارث والحروب، والفرق الهائل بينها وبين قلق النفاق واضطرابه.
الرضا بالقضاء والقدر، واستئصال كلمة (لو) التي تفتح عمل الشيطان؛ فالمؤمن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه.