أجمع القراء العشرة على فتح همزة وميم ﴿آمَنُوا﴾، وجزم ﴿تُطِيعُوا﴾ فعل الشرط بحذف النون، وتنوين ﴿فَرِيقًا﴾ بالفتح مفعولاً به، وجزم ﴿يَرُدُّوكُم﴾ جواب الشرط بحذف النون والواو فاعل والكاف مفعول به أول، ونصب ﴿كَافِرِينَ﴾ مفعولاً به ثانياً بالياء لأنه جمع مذكر سالم (التيسير للداني، ص٨٨)مصدر غير محدد٨٨.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نداء تحذيري إلهي موجه مباشرة إلى الصحابة الكرام والأمة المسلمة إثر واقعة شاس بن قيس ومحاولته إشعال الحرب بين الأوس والخزرج؛ لتحذيرهم من الإصغاء لأهل الكتاب وأصحاب الشبهات ومروجي الفتن.
روى ابن جرير الطبري (ج٥، ص٦١٥)مصدر غير محدد٥/٦١٥ وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: "نزل هذا النداء في فتنة الأوس والخزرج لما كادوا يقتتلون بسبب مكر اليهود؛ فحذرهم الله تعالى من طاعة أهل الكتاب وبيّن أن طاعتهم تقود حتماً إلى الانتكاس والردة إلى الكفر بعد الإيمان".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يا أيها الذين آمنوا
نداء تشريف وتحبيب وإثارة لداعي الإيمان في القلوب لتقبل التحذير.
إن تطيعوا فريقاً
الطاعة هي الانقياد ومتابعة الرأي وقبول التوجيه والمشورة من هؤلاء الخبثاء.
يردوكم بعد إيمانكم كافرين
الغاية الحقيقية والنهائية لمخططاتهم؛ وهي سلب نعمة الإيمان وإعادتكم إلى ظلمات الجاهلية والكفر.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
نداء للمؤمنين.
إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا
إن شرطية جازمة، تطيعوا مضارع مجزوم بحذف النون فعل الشرط والواو فاعل، فريقاً مفعول به منصوب.
مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
جار ومجرور نعت لفريقاً، وأوتوا الكتاب صلته.
يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ
يردوا مضارع مجزوم بحذف النون جواب الشرط والواو فاعل والكاف مفعول به أول، بعد ظرف زمان متعلق بيردوكم وإيمانكم مضاف إليه، كافرين مفعول به ثانٍ ليردوكم (أو حال).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نقلة تربوية وأمنية بارعة: بعد أن وجه الخطاب التقريعي لأهل الكتاب في الآيتين السابقتين ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ...﴾، التفت هنا مباشرة إلى البيت الداخلي للأمة المسلمة بالنداء الإيماني الحبيب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ ليحصن الصف المؤمن من التأثر بمكائد الأعداء، مبيناً أن العدو لا يهدأ حتى يرى المؤمنين قد ارتدوا عن دينهم وتناحروا فيما بينهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة موالاة الأعداء وقبول مشورتهم وتسمية القتال الداخلي "كفراً":
كيف تؤدي طاعتهم في النزاع القبلي إلى "الكفر" بعد الإيمان؟
المحاكمة العقلية والفقهية:
١. إيقاع العداوة والقتال بين المؤمنين باسم الجاهلية والعصبية طريق يفضي إلى استحلال دماء المسلمين، واستحلال دماء المسلمين كفر وردة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (رواه البخاري ومسلم).
٢. التدرج في الضلال: يبدأ العدو بإلقاء الشبهة والتحريش، فإذا استجاب المسلم لخطابه خطوة انقاد إلى ما بعدها حتى ينسلخ من دينه وأخوته وهو لا يشعر؛ فلهذا حسم القرآن الأمر بقطع أصل الطاعة والموالاة لهم (مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج٢٨، ص١٩٠-٢٠٠)مجموع الفتاوىابن تيمية٢٨/١٩٠.