اتفق القراء العشرة على فتح همزة ﴿أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ وسكون ياء أنصاري أو فتحها في الوصل، فقرأ نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء وصلاً (أنصاريَ إلى الله)، وقرأ الباقون بإسكان الياء وصلاً ووقفاً، والفتح لأصل الاتصال والبناء، والإسكان لثقل الحركة على الياء واستثقال توالي الحركات (الجامع في القراءات العشر لابن فارس، ص١٨٠)مصدر غير محدد١٨٠.
﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ بفتح الهمزة وتشديد النون على أنها في موضع جر بالباء متعلقة باشهد.
أسباب النزول وسياق الأثر:
لما أقام عيسى عليه السلام الحجج والبراهين الباهرة على بني إسرائيل، ثقلت دعوته على رؤساء اليهود وأحبارهم، لأنها سلبهم مكانتهم ومكاسبهم الدنيوية الباطلة، فأجمعوا على تكذيبه وعداوته وراموا قتله والفتك به، فلما رأى منهم ذلك الإصرار الجاحد والتيقن من كفرهم استنصر بالله وطلب الأعوان المخلصين الذين يقومون معه بنصرة دين الله وتبليغ رسالته.
روى ابن جرير الطبري (ج٥، ص٤٠٠)مصدر غير محدد٥/٤٠٠ وابن أبي حاتم عن مجاهد والسدي قالا: "أحس عيسى كفرهم أي: علمه واستيقنه منهم كإحساس الشيء المشاهد بالبصر واللمس، لما رأى من تآمرهم وتواطئهم على قتله، فنادى في قومه مستنهضاً: من أنصاري إلى الله؟ فانتدب له الحواريون وكانوا اثني عشر رجلاً أخلصوا له وصدقوا به".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أحس
الإحساس في الأصل هو الإدراك بإحدى الحواس الظاهرة (السمع، البصر، اللمس)، واستعماله هنا للإشارة إلى أن كفرهم وعداوتهم بلغت حداً من الظهور والبروز بحيث لا تحتاج إلى استدلال خفي، بل صارت كالمحسوس بالعين واليد.
أنصاري إلى الله
الأنصار جمع نصير وهو المعين والظهير، و"إلى الله" أي: مع الله أو في سبيلي المتوجه إلى نصرة دين الله ومرضاته، كقولك: من رفيقي إلى مكة؟ أي متوجهاً معي إلى مكة.
الحواريون
جمع حَوَاريّ، وهم خواص الأنبياء وأصفياؤهم من أصحابهم، مأخوذ من "الحَوَر" وهو شدة البياض والنقاء من كل دنس، فسموا حواريين لنقاء قلوبهم وإخلاص سرائرهم وحسن طويتهم، وقيل لأنهم كانوا يلبسون الثياب البيض تميزاً وتزهداً، وقيل أصلهم القصارون الذين يغسلون الثياب ويحورونها بياضاً.
اشهد بأنا مسلمون
الشهادة هنا الإقرار القاطع والطلب من نبيهم أن يشهد لهم عند ربه يوم القيامة بإسلامهم وانقيادهم للتوحيد؛ فالإسلام هو دين جميع الأنبياء وأتباعهم المخلصين.
فَلَمَّا
الفاء استئنافية أو عاطفة، لما رابطة أو ظرفية حينية تتضمن معنى الشرط.
أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ
أحس فعل ماض، عيسى فاعل مرفوع بضمة مقدرة، ومنهم متعلقان بأحس، والكفر مفعول به منصوب.
قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ
قال فعل ماض، وجملة من أنصاري مقول القول، من اسم استفهام مبني في محل رفع مبتدأ، أنصاري خبر مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم والياء مضاف إليه، وإلى الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من أنصاري أو متعلقان بالاسم المشتق (أنصاري).
قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ
قال فعل ماض، والحواريون فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، نحن ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ، أنصار خبر مرفوع، ولفظ الجلالة مضاف إليه، والجملة مقول القول.
آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
آمنا فعل وفاعل وبالله متعلقان به، واشهد فعل أمر وفاعله أنت، وبأنا الباء حرف جر، وأن واسمها وخبرها في محل جر بالباء متعلقان باشهد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما قرر عيسى في الآية السابقة التوحيد وأمر بالعبادة ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾، انقسم الناس حياله إلى فئتين: فئة كافرة طاغية أضمرت له الشر ومكرت به، وفئة مؤمنة مخلصة استجابت للنداء وبذلت أرواحها في نصرة دين الله؛ فذكر الله هذا التمايز لبيان سنة التدافع التي تجري على سائر الرسل، وأن الحق منصور بثلة الصادقين ولو قل عددهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تسمية أتباع عيسى أنفسهم "مسلمين" واعتراض المستشرقين واليهود والنصارى على هذا المصطلح:
يزعم المستشرقون أن مصطلح "الإسلام" نشأ فقط مع محمد صلى الله عليه وسلم في القرن السابع الميلادي، وأن إطلاقه على الحواريين إسقاط تاريخي إسلامي لا يصح!
المحاكمة العقلية وتفنيد الشبهة:
١. الإسلام في لغة القرآن وحقائق الوحي ليس اسماً لحقبة زمنية ولا لقومية معينة، بل هو جوهر الدين وحقيقته الأزلية، وهو: الاستسلام والانقياد لله وحده بالتوحيد والبراءة من الشرك. فنوح قال ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وإبراهيم قال ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويعقوب وبنوه قالوا ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، والحواريون قالوا ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
٢. إن الشرائع تتمايز في تفاصيل الفروع والمناسك والأحكام بحسب الزمان، أما الدين المقبول عند الله في الأرض والسماء فهو واحد لا يتغير وهو دين الإسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، فالحواريون أعلنوا نقاء عقيدتهم من وثنية التثليث وخرافات الشرك، مؤكدين انقيادهم لله تعالى وحده ومتابعتهم لنبيه عيسى (مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج١٩، ص٢٣٤-٢٤٠)مجموع الفتاوىابن تيمية١٩/٢٣٤.
التعبير بـ ﴿أَحَسَّ﴾ لبيان جلاء الكفر ووقاحته، فلم يعد نفاقاً مستوراً بل صار مؤامرة ملموسة.
إسناد النصرة لله في جواب الحواريين: لم يقولوا "نحن أنصارك" أدباً بل قالوا ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾ لنقل القضية من دائرة الأشخاص إلى دائرة المبدأ والعقيدة؛ فنصرتهم لعيسى نابعة حصراً من نصرتهم لله ولدينه الحق.
طلب الشهادة ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ إظهار للثبات واليقين في أشد لحظات المحنة والخوف من بطش الجبابرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
مشروعية طلب النصرة والمؤازرة للحق؛ فالنبي عيسى عليه السلام وهو المؤيد بالمعجزات لم يستغن عن اتخاذ الأسباب وإعداد النواة الصادقة من الأنصار لحمل الدعوة وتبليغها.
الموقف الإيماني في أوقات الشدائد؛ حيث يتمايز الصف وتنكشف دعاوى الزيف، ولا يثبت إلا أصحاب البصائر النقية والقلوب الحية.
الوجدان الإيماني:
الفخر والاعتزاز بالانتساب إلى شرف "أنصار الله"؛ فمن نصر دين الله نصره الله وأعلى شأنه في الدنيا والآخرة.