قرأ الجمهور ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ بضم الياء وفتح الباء وتشديد الشين المكسورة، من التبشير الدال على التكثير والتكرير للإشعار بجلال البشارة وعظم شأن الموهوب. وقرأ حمزة والكسائي ﴿يَبْشُرُكِ﴾ بفتح الياء وضم الشين مخففة من الثلاثي (بَشَرَ يَبْشُرُ)، وهما لغتان فصيحتان في الإخبار بما يسر ويفرح، والتشديد يفيد المبالغة في السرور واستقراره في القلب (تفسير الطبري، دار هجر، ج٥، ص٣٦٠)مصدر غير محدد٥/٣٦٠.
﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ بالرفع على الابتداء، و﴿عِيسَى﴾ بدل أو عطف بيان، و﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ صفة أو بدل ثانٍ.
﴿وَجِيهًا﴾ حال منصوبة من "كلمة" الموصوفة، أو من "عيسى"، وهي حال مقدرة متحققة في المستقبل.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزلت الآية في سياق حجاج وفد نجران النصراني الذين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة، فناظروه في عيسى بن مريم عليه السلام وزعموا فيه الألوهية والبنوه لكونه خُلق من غير أب بشري، فأبطل الله دعواهم ببيان أصل البشارة وحقيقة خلقه بالكلمة الصادرة من الله تعالى، وأنه عبد مرسل مقرب لا رب معبود (تفسير ابن كثير، دار طيبة، ج٢، ص٤٢؛ السيرة النبوية لابن هشام، ت: السقا، ج١، ص٥٧٣).
أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (ج٢، ص٦١٢)مصدر غير محدد٢/٦١٢ عن الربيع بن أنس قال: "وفد نصارى نجران حاجوا في عيسى وقالوا: ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآيات لبيان معنى كونه كلمة الله، وأنه خلق بقوله: كن، فكان، لا أنه جزء منه ولا ولده سبحانه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
التبشير
الإخبار بالخير العظيم غير المتوقع الذي تنبسط له أسارير الوجه وتتغير به بشرة الإنسان سروراً وحبوراً.
الكلمة
في لسان العرب تطلق على الجملة المفيدة، والمراد بها هنا الأمر التكويني الإلهي ﴿كُن﴾، فسُمي عيسى عليه السلام "كلمة" لأنه نشأ عنها مباشرة من غير نطفة ولا لقاح ذكري، فكان إيجاده تجسيداً ظاهراً ومحضاً لأمر الله ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
المسيح
لقب تشريفي مبارك، وأصله في لسان العرب إما من "المَسْح" لأنه مُسح بالبركة والطهارة، أو لأنه مسح بالدهن المبارك دهن النبوة، أو لأنه كان يمسح ذا العاهة فيبرأ بإذن الله تعالى، أو لأنه كان مسيح القدمين لا أخمص لهما، أو لكونه يسيح في الأرض داعياً إلى الله، والراجح عند المحققين كابن جرير وأبي حيان أنه مأخوذ من المسح بالبركة والنقاء من كل دنس (البحر المحيط لأبي حيان، دار الفكر، ج٣، ص١٠٨)مصدر غير محدد٣/١٠٨.
عيسى
الاسم السرياني المعرّب (يشوع)، وقيل عربي اشتقاقه من العَيَس وهو البياض الخالص المخالط لصفرة أو شقرة حسنة.
ابن مريم
إضافة صريحة قاطعة للأمومة لتقرير بشريته ونفي أي نسبة لله تعالى، وتكريم لأمه العذراء البتول بإثبات نسبه إليها دون سواها.
وجيهاً
الوجاهة هي الشرف وعلو المنزلة وعظم المكانة عند الناس وعند الله، مأخوذة من الوجه لكونه أشرف ما في الإنسان ظاهراً.
إِذْ
ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره "واذكر"، أو متعلق بـ "يختصمون" في الآية السابقة.
قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ
فاعل مرفوع بالضمة، والمراد جبريل عليه السلام وحده، وجاء الجمع تعظيماً أو لأنه المباشر عن جنس الملائكة، أو أن الملائكة بشرتها جماعة.
يَا مَرْيَمُ
منادى مبني على الضم في محل نصب.
إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ
إن واسمها، وجملة "يبشرك" في محل رفع خبرها، و"بكلمة" جار ومجرور متعلق بيبشرك، و"منه" جار ومجرور في محل جر نعت لـ "كلمة"، ودلالة "من" هنا لابتداء الغاية وصدور الأمر عن إرادته وتكوينه، لا للتبعيض والجزئية حاشا لله.
اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
جملة اسمية في محل جر نعت ثانٍ لـ "كلمة"، والمسيح خبر، وعيسى بدل، وابن مريم صفة.
وَجِيهًا
حال منصوبة، و﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ متعلقان بوجيهاً.
وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
معطوف على وجيهاً، أي وكائناً من المقربين الزلفى إلى عرش الرحمن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اتصالها بما قبلها: لما ذكر الله تعالى قصة زكريا ويحيى عليهما السلام، وخروج الولد من الشيخ الفاني والعاقر الكبيرة كبرهان أولي على كمال القدرة الربانية وخرق المألوف، ارتقى السياق المعجز هنا إلى الخرق الأعظم للنواميس الطبيعية؛ وهو إيجاد ولد من أنثى طاهرة دون اقتراب رجل قط.
ثم إن الآية السابقة انتهت بقوله ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، فناسب أن يُبين شرف هذه المكفولة الطاهرة وغاية اصطفائها الإلهي، وأن تلك الكفالة المباركة كانت إعداداً لتقبل البشارة الكبرى التي سينبثق منها رسول من أولي العزم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة الألوهية للمسيح من لفظ "بكلمة منه" و"روح منه":
زعم النصارى في نجران ومن تلاهم أن وصف عيسى بـ "كلمة منه" يقتضي كونه إلهاً أو ابناً لله لصدوره الذاتي من الذات الإلهية!
المحاكمة العقلية وتفنيد الشبهة:
حرف "مِن" في لسان العرب والقرآن الكريم يأتي لابتداء الغاية الصادرة من الخالق سبحانه إلى مخلوقاته، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]؛ فهل سائر ما في السماوات والأرض أجزاء من الله؟ لا يقول بهذا عاقل، بل المعنى أنها صادرة عن إحسانه وخلقه وتقديره.
تسميته "كلمة" جاءت على سبيل المجاز أو التسمية بالمسبب؛ لأنه وجد بقول الله التكويني ﴿كُن﴾ بلا واسطة نطفة، كما يُسمى المطر "رحمة" لنزوله بأثر الرحمة.
صريح الآية يدحض ألوهيته من وجوه:
١. قوله ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾؛ فالإله لا ينسب لأم مخلوقة، ونسبته لأمه تنفي كونه رباً وتثبت بشريته وافتقاره للحمل والولادة.
٢. قوله ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾؛ والوجاهة والقرب صفتان من صفات العبيد المكرمين عند سيدهم، فالإله لا يُقال فيه "هو وجيه عند نفسه" أو "مقرب من نفسه"، وإنما يتقرب العبد إلى مولاه، فثبتت عبوديته التامة لله سبحانه (منهاج السنة النبوية لابن تيمية، ت: رشاد سالم، ج٢، ص٤١٥-٤٢٠)مصدر غير محدد٢/٤١٥.
التعبير بـ ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ استعارة مكنية تجسد لطف الله بقلب مريم الخائفة المتبتلة، إذ نقلها من دهشة العزلة ورهبة الكفالة إلى أوج الفرح بالكرامة النبوية.
تعريف الموهوب بلقبه واسمه ونسبه في مقام واحد ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إطناب بياني لتثبيت الحقيقة وحسم كل جدل مستقبلي حول هويته وأصله، وإظهار كمال العناية به قبل بروزه إلى الوجود الحسي.
الجمع بين الوجاهة الدنيوية (النبوة والبركة وإبراء المرضى والحكمة) والوجاهة الأخروية (الشفاعة ورفعة الدرجات في عليين) استيعاب بديع لخيري الدارين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
أن معيار الشرف والوجاهة الحقيقية ليس في الثروات ولا في الجاه الأرضي الزائل، بل في التقرب إلى الله تعالى والقيام بأمره.
تكريم المرأة المؤمنة وإعلاء شأنها في تاريخ النبوات، حيث نوديت مريم باسمها ورفعت منزلتها بين نساء العالمين وخصت ببشارة معجزة لم تكن لبشر سواها.
الوجدان الإيماني:
استشعار عظمة الأمر التكويني الإلهي؛ فإذا أراد الله أمراً فإنما يقول له كن فيكون، فلا يستحيل على قدرته شيء من تفريج الكربات ومغفرة الذنوب وعمارة القلوب بالإيمان.