قرأ ابن عامر والكسائي ويعقوب: ﴿الرُّعُبَ﴾ بضم العين، وقرأ الباقون (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر، وخلف العاشر): ﴿الرُّعْبَ﴾ بإسكان العين تخفيفاً، وهما لغتان فصيحتان (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٤٦)مصدر غير محدد٢/٢٤٦.
أسباب النزول وسياق الأثر:
بشارة عاجلة للمؤمنين بعد أحد، وبيان للسبب الخفي الذي منع أبا سفيان وجيش قريش من استئصال المسلمين أو التقدم نحو المدينة المنورة بعد انتصارهم الميداني العارض.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٨٤٢)مصدر غير محدد٥/٨٤٢ وابن إسحاق عن ابن عباس والسدي قالا: "لما انصرف أبو سفيان والمشركون يوم أحد، وبلغوا الروحاء، ندموا وقالوا: بئس ما صنعتم! أصبتم شوكتهم وقادتهم ثم تركتموهم ولم تستأصلوهم، ارجعوا فاستأصلوهم! فقذف الله في قلوبهم الرعب والخوف الشديد، فرجعوا خائفين إلى مكة هاربين، وأنزل الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ...﴾".
وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب التيمم، رقم: ٣٣٥)مصدر غير محددحديث رقم ٣٣٥ ومسلم (كتاب المساجد، رقم: ٥٢١)مصدر غير محددحديث رقم ٥٢١ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر...".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الرعب
الخوف الشديد والهلع والفزع الذي يملأ الصدر ويضطرب منه القلب وتسقط معه القوى.
الواو استئنافية، بئس: فعل ماض جامد لإنشاء الذم، مثوى: فاعل بئس مرفوع بضمة مقدرة وهو مضاف، الظالمين: مضاف إليه مجرور بالياء، والمخصوص بالذم محذوف تقديره (هي: أي النار).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ربط معجز بين الواقع النفسي الحربي وبين العقيدة؛ فبعد أن بين أن الله خير الناصرين في الآية السابقة، كشف هنا عن جند من أجناد نصره الخفية وهو "سلاح الرعب النفسي". وأبان عن القاعدة النفسية الكونية: أن الشرك بالله يورث الخوف والاضطراب وفقدان الأمن النفسي، وأن التوحيد يورث الشجاعة والسكينة والثبات. فلما أشرك الكفار وسندوا ظهورهم إلى أصنام عاجزة ووساوس باطلة لا برهان عليها، سلبهم الله الأمن وقذف في قلوبهم الرعب ففروا من المعركة رغم انتصارهم الظاهري.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
البرهان العقلي على تلازم الشرك بالرعب ونفي السلطان:
قررت الآية حقيقة عقلية في قوله: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾؛ فالمشرك قد علق قلبه بأوهام وأشياء لا حجة لها في العقل ولا في النقل ولا تملك نفعاً ولا ضراً، ومن تعلق بالباطل كان في غاية الضعف والتوجس والخوف من المجهول. أما الموحد فإنه مستند إلى الركن الوثيق القوي القاهر الحي القيوم، فلا يخاف سواه. فالأمن النفسي ثمرة حتمية للتوحيد، والرعب ثمرة حتمية للشرك والظلم (مجموع فتاوى ابن تيمية، ج١٤، ص١٥٢)مصدر غير محدد١٤/١٥٢.