قرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر وأبو جعفر: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلُهُمْ﴾ برفع اللام اسماً لـ كان، وقرأ الباقون (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، ويعقوب): ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ﴾ بنصب اللام خبراً مقدماً لـ كان، واسمها المؤخر المصدر المؤول ﴿أَن قَالُوا﴾، وكلتا القراءتين صحيحة بليغة تفيد حصر مقالتهم في هذا الدعاء الخاشع (الدر المصون، ج٣، ص٤١٥)مصدر غير محدد٣/٤١٥.
سياق الأثر:
كشف عن سلاح أولئك الربيين الصابرين في خضم المعارك الطاحنة؛ فلم تكن استغاثتهم بالصراخ أو الندب أو العويل أو إلقاء اللوم على الأقدار، بل كان فزعهم المطلق إلى الله بالاعتراف بالتقصير وطلب المغفرة والثبات والنصر.
روي عن ابن مسعود والحسن البصري: أن هؤلاء الصالحين علموا أن الذنوب هي أعظم أسباب الهزيمة والخذلان، فبدأوا بتطهير أنفسهم بالتوبة والاستغفار قبل أن يسألوا النصر على عدوهم (تفسير ابن كثير، ج٢، ص١٢١)تفسير القرآن العظيمابن كثير٢/١٢١.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الإسراف
مجاوزة الحد والاعتدال في الأفعال والأقوال؛ والمراد به كبائر الذنوب أو الإفراط في التفريط.
ثبت أقدامنا
كناية عن رباطة الجأش والشجاعة في ساحة القتال وعدم الفرار عند الزحف.
القوم الكافرين
بيان علة طلب النصر؛ وهو نصر للدين والحق على الكفر والباطل، لا للعصبية والغنيمة.
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ
الواو عاطفة، ما: نافية، كان: ماض ناقص، قولهم: خبر كان مقدم منصوب بالفتحة (أو اسمها بالرفع على قراءة حمزة) والهاء مضاف إليه.
إِلَّا
أداة حصر.
أَن قَالُوا
أن مصدرية، قالوا: فعل ماض وفاعله، والمصدر المؤول في محل رفع اسم كان مؤخر (أو خبرها على قراءة الرفع).
رَبَّنَا
منادى مضاف حذف منه حرف النداء، ونا مضاف إليه.
اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
اغفر: فعل دعاء مبني على السكون، ولنا متعلق باغفر، ذنوبنا مفعول به ونا مضاف إليه.
وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا
معطوف على ذنوبنا، وفي أمرنا جار ومجرور متعلقان بإسرافنا.
وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا
معطوف على اغفر، وأقدامنا مفعول به.
وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
معطوف عليه، وعلى القوم متعلق بانصرنا، والكافرين نعت مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تناسب قمة في التربية الروحية والنفسية للجند والدعاة؛ فبعد أن أثنى على صمود الربيين الحسي في الميدان (فما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا)، كشف هنا عن باطنهم الروحي وعقيدتهم؛ فلم ينسبوا النصر لشجاعتهم، ولم يعللوا الإخفاق بخلل السلاح أو قلة العدد، بل ردوا الأمر إلى التقصير الذاتي في جنب الله، فقدموا التوبة والاستغفار بين يدي طلب النصر، ليعلم المسلمون في كل زمان أن النصر يبدأ من طهارة القلوب وصلاح السرائر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة استعطاف النصر مع التلبس بالذنب:
قد يزعم مبطل أن اعترافهم بالذنب والإسراف دليل على أنهم لم يكونوا صالحين!
والتحقيق: أن هذا القول صادر عن كمال التواضع وهضم النفس وتجريد التوحيد؛ فالصالحون كلما عظمت معرفتهم بربهم رأوا أعمالهم حقيرة في جنب حقه، ورأوا أن كل مصيبة تنزل بهم إنما هي بشؤم تقصيرهم: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. فاعترافهم بذنبهم وسيلة عظمى لقبول دعائهم واستنزال نصر الله، بخلاف المتبجح المغرور بعمله الذي يوكَل إلى نفسه فيهلك (مدارج السالكين لابن القيم، ج١، ص١٨٠)مدارج السالكينابن القيم١/١٨٠.
أسلوب الحصر: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا﴾؛ يفيد انقطاعهم التام إلى الله، وعدم تشتت ألسنتهم في لوم القادة أو العتاب الفارغ في ساعة المحنة.
الترتيب البياني البديع في الدعاء:
بدأوا بـ (مغفرة الذنوب والإسراف): لأنها العوائق والحواجز التي تمنع إجابة الدعاء وتجلب الهزيمة.
ثم ثنوا بـ (تثبيت الأقدام): وهو الركيزة الميدانية التي يتنزل بها النصر.
ثم ختموا بـ (النصر على الكافرين): وهو الغاية العظمى لإعلاء كلمة الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أدب الدعاء في الأزمات: التوسل بالاعتراف بالذنب وطلب المغفرة أولاً.
ربط الهزائم بالمعاصي والذنوب، وربط النصر بالتوبة والثبات والاستقامة.