أجمع القراء العشرة على وصل همزة ﴿اصْبِرُوا﴾ وكسر الباء فعل أمر، وفتح صاد وألف وكسر باء ﴿وَصَابِرُوا﴾ مفاعلة من الصبر، وفتح راء وألف وكسر باء ﴿وَرَابِطُوا﴾ مفاعلة من الرباط، وجزم هذه الأفعال الثلاثة على حذف النون، وتسكين واو ﴿تُفْلِحُونَ﴾ وإظهار النون وقفاً بالمد العارض للسكون (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥٨؛ التيسير، ص٩٤).
أسباب النزول وسياق الأثر:
الوصية الجامعة الخاتمة لسورة آل عمران؛ وهي الدستور النهائي للثبات والنصر والتمكين للأمة المسلمة في أربعة أركان متكاملة: الصبر، والمصابرة، والرباط، والتقوى.
أخرج الحاكم في المستدرك (ج٢، ص٣٠٠)مصدر غير محدد٢/٣٠٠ وصححه ووافقه الذهبي وابن جرير الطبري (ج٥، ص١٠٣٥)مصدر غير محدد٥/١٠٣٥ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾: لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يُرابط فيه، ولكن الرباط: انتظار الصلاة بعد الصلاة".
وأخرج مسلم في صحيحه (كتاب الطهارة، رقم: ٢٥١)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥١ والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط".
وأخرج مسلم في صحيحه (كتاب الإمارة، رقم: ١٩١٣)مصدر غير محددحديث رقم ١٩١٣ عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
اصبروا
الصبر هو حبس النفس على طاعة الله، وحبسها عن معاصي الله، وحبسها على أقداره المؤلمة.
صابروا
المصابرة هي مغالبة الأعداء في الصبر؛ من صابر خصمه إذا كان أشد صبراً منه في ساحة الحرب وميادين الصراع حتى ينكسر العدو أولاً.
رابطوا
الملازمة والثبات؛ مأخوذ من ربط الخيل وإعدادها للجهاد؛ والرباط لزوم الثغور لحماية حوزة الإسلام ومنع تسلل الأعداء، وملازمة الطاعات والمساجد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا الختام وما أروعه في تناسق مطلع السورة ومقاصدها!
بدأت سورة آل عمران بتقرير التوحيد وتثبيت الإيمان ونفي الشبهات والدعوة للثبات: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾.
وختمت بهذا الأمر الرباني الحاسم الذي يلخص كل ما تحتاجه الأمة للثبات أمام عواصف الشبهات وحروب الشهوات وجيوش الأعداء:
١. الصبر الذاتي في النفس على التكاليف والمحن.
٢. المصابرة التفاعلية في الميدان لمغالبة صبر الأعداء؛ لأن الحرب صراع إرادات: (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون).
٣. الرباط الدائم على ثغور الأمة العسكرية والفكرية والثقافية والعبادية لئلا يُؤتى الإسلام من قِبلهم.
٤. التقوى التامة المحيطة الحاكمة لكل هذه الأعمال.
وبذلك اتصلت خاتمة السورة بفاتحتها في أعظم بناء معماري بياني تشهده البلاغة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
البرهان على منظومة "النصر وصراع الإرادات":
تؤصل الآية لقانون "المصابرة والرباط" في حسم المعارك الحضارية والعسكرية؛ فالصراع بين الحق والباطل ليس صراع سلاح وعتاد فحسب، بل هو "صراع نفَس وصبر"؛ فالعدو يصبر على باطله ويبذل أمواله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فإن لم يكن أهل الحق أشد صبراً ومصابرة وثباتاً ورباطاً، مالت الكفة للباطل. فالأمر بـ ﴿صَابِرُوا﴾ يوجب التفوق الأخلاقي والنفسي على العدو، والأمر بـ ﴿رَابِطُوا﴾ يمنع الغفلة والتراخي ويوجب الحراسة الدائمة لثغور الإسلام (مجموع فتاوى ابن تيمية، ج٢٨، ص١٤٠؛ زاد المعاد لابن القيم، ج٣، ص٢٥٠).
ثم ثنّى بـ (صابروا): وهو مغالبة ومدافعة العدو الجماعي في الصبر.
ثم ثلّث بـ (رابطوا): وهو دوام اليقظة وحراسة الثغور ومنع الاختراق.
ثم توّج بـ (واتقوا الله): وهو السياج الروحي الحافظ للأعمال من الرياء والغرور والعجب.
التعليل والغاية بـ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لبيان أن هذه الرباعية هي الطريق الحصري للفلاح والتمكين في الدنيا والفوز بالفردوس في الآخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التدريب على أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على أقدار الله المؤلمة.
إحياء فريضة "الرباط في سبيل الله"؛ بالمرابطة على حدود بلاد المسلمين لحمايتها، وبالمرابطة الفكرية لحماية عقائد الأمة، وبالمرابطة في المساجد لانتظار الصلوات وعمارة بيوت الله.